السيد عبد الله شبر
262
الأخلاق
درجة البهائم فلم يتجاوز ادراكه الحواس . وكما أن الإنسان يحب نفسه وكمال نفسه وبقاء نفسه كذلك قد يحب غيره لذاته لا لحظ يناله منه وراء ذاته ، بل تكون ذاته عين حظه ، وهذا هو الحب الحقيقي البالغ الذي يوثق به . وان احتجت إلى شاهد على ذلك في عالم الدنيا فانظر إلى الطباع السليمة كيف تراها تستلذ بالنظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار الحسنة والألوان المليحة ، حتى أن الإنسان لتنفرج عنه الغموم بالنظر إليها لا لطلب حظ وراء النظر . وكان رسول اللّه ( ص ) يعجبه النظر إلى الخضرة والماء الجاري ، فالخضرة والماء الجاري محبوبان لا لشرب الماء وأكل الخضرة . ثم الحسن والجمال ليسا مقصورين على مدركات البصر ولا على تناسب الخلقة ، إذ يقال : هذا صوت حسن ، وهذا خلق حسن ، وهذا علم حسن ، وهذه سيرة حسنة ، وليس شيء من هذه الصفات يدرك بالبصر . بل ليس الحسن والجمال مقصورا على مدركات الحواس ، إذ كثير منها يدرك بالبصيرة الباطنة ، ولذا ترى الطباع السليمة مجبولة على حب الأنبياء والأئمة عليهم السلام ، مع أنهم لم يشاهدوهم . ولما تواتر وصف أمير المؤمنين بالشجاعة وحاتما بالسخاء أحبهما القلوب حبا ضروريا بدون نظر إلى صورة محسوسة ولا عن حظ يناله المحب منهما . ومن كانت البصيرة الباطنة أغلب عليه من الحواس الظاهرة كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة . ثم كل محب إما أن يحب نفسه أو يحب غيره ، ومحبة الغير إما لحسنه وجماله أو لاحسانه وكماله أو لمجانسته بينه وبين المحب : أما محبة النفس فهي أشد وأقوى ، لأن المحبة انما تكون بقدر الملائمة والمعرفة ، ولا شيء أشد ملائمة لأحد من نفسه ، ولا هو لشيء أقوى معرفة