السيد عبد الله شبر

259

الأخلاق

المرغوب فيها ، كالذي يترك درهما لأجل درهمين ، فإنه لا يشق عليه ذلك ، وهو يظن بنفسه انه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه . ( الثالثة ) وهي العليا ان يزهد طوعا ويزهد في زهده فلا يرى زهده ، إذ لا يرى أنه ترك شيئا ، حيث عرف ان الدنيا لا شيء ، فيكون كمن ترك نواة وأخذ جوهرة ، فلا يرى ذلك معاوضة ، وهذا كمال الزهد . ومثله مثل من منعه من باب الملك كلب على بابه ، فألقى إليه لقمة خبز فشغله بنفسه ودخل الباب ونال القرب عند الملك حتى نفذ أمره في جميع مملكته ، افترى انه يرى لنفسه يدا عند الملك بلقمة خبز ألقاها إلى الكلب في مقابلة ما ناله ، فالشيطان كلب على باب اللّه يمنع الناس من الدخول والدنيا كلقمة خبز يأكلها ، فلذتها حال المضغ وتنقضي على القرب بالابتلاع ، ثم يبقى ثفله في المعدة ، ثم ينتهي إلى النتن والقذر ويحتاج إلى إخراج الثفل ، فمن يتركها لينال قرب الملك كيف يلتفت إليها ؟ ! وينقسم الزهد قسمة أخرى بالإضافة إلى المرغوب فيه إلى ثلاث درجات : ( أسفلها ) ان يكون المرغوب فيه النجاة من النار وسائر الآلام ، كعذاب القبر ومناقشة الحساب وخطر الصراط ، وهذا زهد الخائفين . ( وأوسطها ) ان يزهد رغبة في ثواب اللّه ونعيمه واللذات الموعودة في جنته ، وهذا زهد الراجين . ( وأعلاها ) أن لا يكون له رغبة الا في اللّه ولقائه ، فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ولا إلى اللذات ليقصد نيلها والظفر بها بل هو مستغرق الهم باللّه ، وهو الذي أصبح وهمه هم واحد ، فهو لا يطلب غير اللّه لأن من طلب غير اللّه فقد عبده ، وكل مطلوب معبود وكل طالب عبد بالإضافة إلى مطلوبه ، وهذا زهد المحبين والعارفين . وينقسم أيضا إلى فرض ونفل وسلامة : فالفرض هو الزهد في الحرام ،