السيد عبد الله شبر
200
الأخلاق
ثم لو طعن عليه غيره من أهل العلم لم يكن غضبه مثل غضبه الآن بل ربما يفرح به ، وإذا خطر له خاطر الرياء قال : هيهات انما غرضي من إظهار العلم والعمل اقتداء الخلق بي ليهتدوا إلى دين اللّه ويتخلصوا من عقاب اللّه . ولا يتأمل المغرور انه ليس يفرح باقتداء الناس بغيره كما يفرح باقتدائهم به ، فلو كان غرضه صلاح الخلق لفرح بصلاحهم على يد من كان . وربما يتذكر هذا المعنى فلا يخليه الشيطان أيضا ، بل يقول : انما ذاك لأنهم إذا اهتدوا بي كان الأجر والثواب لي ، وانما فرحي بثواب اللّه لا بقول الخلق . هذا ما يظنه بنفسه واللّه مطلع على سريرته ، وقد زين له سوء عمله فرآه حسنا وضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا . ( ومنهم ) قوم اقتصروا على علم الفتاوى والحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح المعائش ، وصرفوا أعمارهم في معرفة دقائق السلم والإجارة والظهار واللعان والجراحات والدعاوي والبينات والحيض والاستحاضة ، وضيعوا الأعمال الظاهرة والباطنة . ولم يتفقدوا الجوارح ولم يحرصوا اللسان عن الغيبة ولا البطن عن الحرام ولا الرجل عن المشي إلى السلاطين ، ولم يعالجوا أمراض قلوبهم بالكبر والرياء والحقد والعجب والحسد وسائر المهلكات مما هو من الواجبات العينية ، واشتغل بفرض الكفاية والاشتغال بالكفائي قبل الفراغ من العيني معصية . ومثالهم مثال من به علة البواسير والسرسام ، وهو مشرف على الهلاك محتاج إلى تعلم الدواء واستعماله ، فاشتغل بتعليم دواء الاستحاضة وبتكرار ذلك ليلا ونهارا مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا يستحيض ، ولكن يقول : ربما وقعت الاستحاضة أو الحيض لامرأة تسألني . وذلك غاية الغرور . وكذلك المتفقه المسكين الذي تسلط عليه حب الدنيا واتباع الشهوات والحسد