السيد عبد الله شبر
175
الأخلاق
والسلطان . هذا كله مضافا إلى ما سلط عليه من الأمراض العظيمة والأسقام الجسيمة والآفات المختلفة والطبائع المتضادة من المرة والبلغم والريح والدم ، ليهدم البعض من أجزائه البعض ، شاء أم أبى ، رضى أم سخط ، فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها ، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضراء ولا خيرا ولا شرا ، يريد أن يعلم الشيء فيجهله ويريد أن يذكر الشيء فينساه ويريد أن ينسى الشيء ويغفل عنه فلا ينساه ، ويريد أن ينصرف قلبه إلى ما يهمه فيجول في غيره فلا يملك قلبه ولا نفسه نفسه ، يشتهي الشيء وربما يكون هلاكه فيه ويكره الشيء ويكون حياته فيه ، يستلذ الأطعمة فتهلكه وترديه ، ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه ، لا يأمن في لحظة من ليله أو نهاره ان يسلب سمعه وبصره وعلمه وقدرته ، وتفلج أعضاؤه ويختلس عقله وتختطف روحه ويسلب جميع ما يهواه في دنياه ، وهو مضطر ذليل ، ان ترك لم يبق وان اختطف يفنى ، عبد مملوك لا يقدر على شيء . فأين هو من التكبر والتجبر وهذا حاله بالفعل ، وقد كان نطفة قذرة وسيكون جيفة منتنة يستقذره كل انسان ويعود إلى ما كان ، وليته ترك ترابا ، بل يحيى ويعاد ليقاسي الشدائد والآلام ، ويحاسب ويعاقب على ما سلف من الأيام ، ويخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة ، ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة وسماء ممزقة مشققة وأرض مبدلة وجبال مسيرة ونجوم منكدرة وشمس منكسفة وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد وجحيم تزفر وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسر ، ويرى صحائف منشورة كتب فيها ما نطق به وعمل من قليل وكثير ونقير وقطمير ، وقد أشار اللّه تعالى إلى مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه وأواسط أحواله بقوله : « قتل الإنسان ما أكفره . من أي شيء خلقه . من نطفة خلقه فقدره . ثم السبيل يسره . ثم أماته