محمد حسن بن معصوم القزويني
90
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء
القلوب . والتحلّي بما يقابلها من الفضائل حتّى ينفتح له باب التوفيق والوصول إلى المطلوب ، وبهذين يزول ملكيّته للقلوب وسلطنته عليها ، وتنقطع تصرّفاته الدائمية فيها ، لكن تبقى خطراته واختلاساته . فبالمداومة على الأذكار القلبيّة واللسانية يحصل له أثر كلّي في دفعها ولا أقلّ من ضعفها وقلّتها ، لكنّها تنفع بعد الأولين ، ولولاهما كانت حديث نفس لم يندفع بها تسلّطه وملكيّته ، فإنّ قولك للكلب الجائع « اخسأ » إنّما ينفع إذا رأى معك ما يزجره ويؤذيه ، ولم يكن معك ما يميل إليه ويشتهيه . على أنّها من الفضائل التي لا ينفع التحلّي بها إلّا بعد التخلّي عمّا يقابلها ، كما لا ينفع الغذاء المقوّي إلّا بعد نقاء البدن عن الأخلاط الفاسدة . قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ . « 1 » ولو نفعت في دفع سلطنته لكان أولى الأذكار أعني الصلاة به أحرى ، مع أنّ تسلّطه فيها على القلب ومزاحمة جنوده وتقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال أشدّ وأقوى . ثمّ إنّ للذكر مراتب أربعة : أحدها : اللساني فقط . وثانيها : ما يسري إلى القلب مع عدم التمكّن منه ، بحيث يحتاج إلى مراقبته حتّى يحضر معه ولو خلاه استرسل في أودية الخواطر . وثالثها : هو مع التمكّن بحيث لا يصرفه عنه بسهولة . ورابعها : تمكّن المذكور في القلب بحيث لا يلتفت إلى نفسه ولا إلى الذكر ، بل يستغرق في المذكور ، ويكون التفاته إلى الذكر حجابا شاغلا .
--> ( 1 ) الأعراف : 201 .