محمد حسن بن معصوم القزويني

49

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء

لكنه تعالى ألقى بواسطة النبوّة إلى كافة الناس ما تحتمله أفهامهم وتصل إليه أوهامهم . قال الغزالي في المضنون : اللذّة المحسوسة الموعودة في الجنان من أكل وشرب ونكاح يجب التصديق بها لإمكانها وهي حسّي وخياليّ وعقليّ . أمّا الحسّي فبعد ردّ الروح إلى البدن كما ذكرناه . ولا كلام في أنّ بعض هذه اللذّات ممّا لا يرغب فيها كلّ أحد كاللبن والإستبرق والطلح المنضود والسدر المخضود ، وقد خوطب بهذا جماعة يعظم ذلك في أعينهم ويشتهونه غاية الشهوة ، وفي كلّ صنف وإقليم مطاعم ومشارب وملابس يختصّ بقوم دون قوم ، ولكلّ أحد في الجنّة ما يشتهيه . وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ . « 1 » وربما عظّم اللّه شهوة في الآخرة لا يشتهيه أهل الدنيا في الدنيا كالنظر إلى ذاته سبحانه ، فإنّ الرغبة الصادقة فيها إنّما يكون في الآخرة دون الدنيا ، - إلى أن قال - : وأمّا الوجه العقلي فهو أن يكون هذه المحسوسات أمثلة لللذات العقلية الغير المحسوسة ، لكنّها تنقسم إلى أنواع مختلفة الذات كالحسيّات ، فتكون أمثلة لها ، وكلّ واحد منها مثالا للأخرى ، وإن كانت ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فيجوز أن يجمع بين الكلّ ، ويجوز أن يكون نصيب كلّ واحد بقدر استعداده ، فالمشغوف بالتقليد المتقيّد بقيد الصورة الذي لم ينفسح له طريق الحقائق يمثّل له هذه الصور ، والعارفون المستبصرون يفتح لهم من لطائف السرور واللذّات العقليّة ما يليق بهم ويشفي شوقهم وشهوتهم ، إذ حدّ الجنّة أنّ فيها لكلّ امرئ ما يشتهيه ، فإذا اختلفت الشهوات اختلفت العطيّات واللذّات ، والقدرة واسعة ، والقوّة البشريّة عن الإحاطة بعجائب القدرة قاصرة ، والرحمة الالهيّة ألقت بواسطة

--> ( 1 ) فصّلت : 31 .