محمد حسن بن معصوم القزويني
161
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء
أحواله في حال الحرب ، فقيل له : ما هذه الحالة وأنت أشجع الناس ؟ فقال : لم أمتحن خصمي فلعلّه أقوى منّي . وأنّ إعجابه بكماله إن كان لكونه محلا وقابلا له فهو مسخّر تحت حكم الفاعل وليس له إلّا القبول والانفعال والفضل للمؤثّر الفاعل دونه . مع أنّ الاستعداد والقبول أيضا من فيضه وفضله ، فإنه الخالق للأعضاء والجوارح والقوى والادراكات وغيرها ، وإن كان من تصوّر أنه الباعث على حصوله وأنّه ناش عن قدرته ، فهو جهل منه بكون قدرته وأسبابه التي بها يحصل الكمال ويتمّ الأعمال من الكريم الواهب المتعال « 1 » من غير حقّ له عليه تعالى فبالحريّ أن يعجب من كرمه وفضله حيث أفاض عليه ما لا يستحقّه وهو المنعم الحقيقي بجلائل النعم ودقائقها ، والواهب لصور الأشياء وحقائقها . فالعجب ممّن يعجب بنفسه في عبادته أو غيرها مع عجزه عن جميع الأسباب والمصالح المؤدّية إلى ما أعجبه منها وعدم مدخليّته له فيها أصلا ولا يعجب ممّن يستند إليه كل الأمور وهو الذي اختاره واجتباه وآثره واصطفاه على كثير من خلقه بتمكينهم من استعمال اللذّات التي أغفله عنها وذرأها « 2 » عنه ، وصرف بواعث الخيرات عنهم وإعدادها له . روي أنّ أيّوب النبيّ عليه السّلام قال : « إلهي إنّك ابتليتني بهذا البلاء ، وما ورد عليّ أمر إلّا آثرت هواك على هواي ، فنودي من غمامة بعشرة آلاف صوت : يا أيّوب أنّى لك ذلك ؟ فأخذ رمادا فوضعه على رأسه وقال : منك يا ربّ [ ، منك يا ربّ ] » « 3 » فلو لا فضله ورحمته الواسعة ما زكى أحد » ولذا قال نبيّنا عليه السّلام الذي هو أشرف خلق اللّه سبحانه : « ما منكم من أحد ينجّيه عمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلّا أن يتغمّدني اللّه برحمته » . « 4 »
--> ( 1 ) كذا ، والصحيح : المتعالي . ( 2 ) كذا ، والصحيح : « زواها » كما في المحجة : 6 / 280 . ( 3 ) المحجة البيضاء : 6 / 281 - 282 . ( 4 ) المحجة البيضاء : 6 / 282 .