محمد حسن بن معصوم القزويني
125
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء
فكذا يقال كثير اليقين بكثرة متعلّقاته ، وبالخفاء والظهور ، فإنّ اليقين بالبديهيّات أوضح منه بالنظريات ، وإن اتّفقت في نفي الشكّ عنه ، ومن كان استيلاء يقينه على قلبه أكثر كان أوضح عنده ممّا كان تصرّفه في نفسه أضعف وهكذا . كذا أفاده بعض الأعلام . « 1 » أقول : عروض القوّة والضعف له باعتبار أثره ، كما أنّ القلّة والكثرة تعرضه باعتبار متعلّقه ، فمعنى قولهم فلان قويّ اليقين أنّه قوي أثره فيه ، أعني الاستيلاء المذكور ، فإنّه أثر لليقين بالمعنى الأوّل ، وليس معنى آخر له وليس تفاوته بالقوّة والضعف باعتبار حقيقته حتّى يقال إنّ نفي الشك لا تفاوت فيه ، بل باعتبار اختلافه في الوضوح والخفاء ، فإنّه كلّما كان أظهر كان ترتّب أثره عليه أسرع ، وكلّما كان أخفى كان عن الترتّب المذكور أبعد . وتفصيل ذلك أنّ الوجدان يشهد بالتفرقة بين ما يدرك بحسّ الإبصار كالأجسام أو بالخيال كصورها المرتسمة في الذهن لا من اختلافهما ضرورة اتّفاقهما ، بل بمزيد الكشف والوضوح ، حيث صارت بالرؤية أتمّ وضوحا ، كما في الرؤية في أوّل الإسفار والرؤية بعد طلوع الشمس ، فالخيال أوّل الادراك ، والرؤية كماله ، أي غاية الكشف ، وهذا الادراك له تأثير في نفس المدرك مختلف المراتب في الشدّة والضعف بحسب تفاوت نوعيه ، كما أنّ مدرك الوجه الحسن بالسماع والتخيّل لا يتأثّر منه مثل ما يتأثّر به مدركه بحسّ البصر ، وكما أنّ العالم بكون الأسد في الطريق بالخبر لا يتأثّر بمثل ما يتأثّر به المشاهد له حال قصده لإهلاكه من الدهشة والاضطراب ، وكذلك المعقولات التي لا مدخل لحسّ الإبصار والتخيّل فيها ، فأوّل مرتبة ينفى عنها الشكّ علم ويقين ، كالعالم بوجود الأسد في الطريق من الخبر المتواتر . وفوق هذه المرتبة في الادراك مرتبة منزّلة منزلة الإبصار تسمّى مشاهدة .
--> ( 1 ) هو أبو حامد الغزالي ، راجع المحجة البيضاء : 1 / 151 - 154 .