محمد حسن بن معصوم القزويني

107

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء

مخالفة نفسه واقتناء فضائلها وإزالة كدوراتها كما هو حقّه حتى تقتبس من الأنوار الحقّة الملكوتيّة نورا إلهيّا ينكشف به الحجب والأستار عن العقائد الحقّة والمعارف الحقيقيّة ، كان اقتصاره على التصديق بظواهر الآيات والأخبار إجمالا أسلم وأولى ، لما عرفت من عظم خطرها وعدم استقلال العقول الناقصة بإدراكها ، ولذا كان اهتمام الشيطان في تزليق أقدام طالبيها أشدّ من سائر الطلّاب ، ودخوله من هذا الباب لتغرير الأذكياء أسهل من سائر الأبواب ، حيث يظنّ كلّ أحد أنه يقدر على الخوض في غوامض المعارف الحقّة ومعرفة حقائقها وإدراك دقائقها ، وأنّه قويّ فيه فيخوض في بحر الجهالات من حيث لا يعلم فيهلك ويهلك . ومن هنا ورد ذمّ الخوض في الكلام والمنع عنه عن الأئمّة عليهم السّلام « 1 » . ولما رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أصحابه يخوضون فيه غضب حتّى احمرّت وجنتاه وقال : « أفبهذا أمرتم ، تضربون كتاب اللّه بعضه ببعض ؟ انظروا فيما أمركم اللّه فافعلوا وما نهاكم عنه فانتهوا » « 2 » . ومنه يظهر أيضا سرّ ما ورد من الأخبار والآثار من المنع عن إفشاء دقائق الأسرار والمبالغة في كتمان جواهر المعارف وذوارف العوارف ، حيث إنه لا سبيل إلى التنبّه لها إلّا بعد تصفية مرآة القلب وتزكيته عن ذمائم الأخلاق والأفعال والمجاهدة العظيمة وتحمّل المشاقّ والأخطار والأهوال حتّى يظهر جليّة الحال بعد السعي والاجتهاد بقدر القابلية والاستعداد وأنّى ذلك في النفوس الخسيسة العامة الملوّثة بالكدورات ، والعقول الناقصة المغلوبة بالشهوات ، فإذا كان أبو ذر مع جلالة قدره وعظم شأنه لا يقدر على تحمّل ما أفيض على قلب سلمان فما ظنّك بسائر الناس سيّما في مثل هذا الزمان ؟ كما ورد عن سيّد الساجدين عليه السّلام أنّه قال :

--> ( 1 ) راجع البحار : 1 / 136 - 138 ، والتوحيد للصدوق ، وباب النهي عن الكلام . ( 2 ) المحجة البيضاء : 6 / 321 .