مرتضى الزبيدي

658

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

بمقتضاه ، فإن رأس الإيمان هو التوحيد وهو أن لا يعبد إلا اللّه ، ومن اتبع هواه فقد اتخذ الهه هواه ، فهو موحد بلسانه لا بالحقيقة ، بل معنى قولك لا إله إلا اللّه معنى قوله تعالى : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ الأنعام : 91 ] وهو أن تذر بالكلية غير اللّه ومعنى قوله تعالى : الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [ الأحقاف : 13 ] ولما كان الصراط المستقيم الذي لا يكمل التوحيد إلا بالاستقامة عليه أدق من الشعر وأحد من السيف مثل الصراط الموصوف في الآخرة ، فلا ينفك بشر عن ميل عن الاستقامة ولو في أمر يسير إذ لا يخلو عن اتباع الهوى ولو في فعل قليل ، وذلك قادح في كمال التوحيد بقدر ميله عن الصراط المستقيم ، فذلك يقتضي لا محالة نقصانا في درجات القرب ، ومع كل نقصان ناران : نار الفراق لذلك الكمال الفائت بالنقصان ، ونار جهنم كما وصفها القرآن ، فيكون كل مائل عن الصراط المستقيم معذبا مرتين من وجهين ، ولكن شدة ذلك العذاب وخفته وتفاوته بحسب طول المدة إنما يكون بسبب أمرين ، أحدهما : قوة الإيمان وضعفه ، والثاني : كثرة اتباع الهوى وقلته ، وإذ لا يخلو بشر في