مرتضى الزبيدي
638
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
حيث أنها كبيرة ، بل كل موجبات الحدود معلومة بأسمائها كالسرقة والزنا وغيرهما ، وإنما حكم الكبيرة أن الصلوات الخمس لا تكفرها ، وهذا أمر يتعلق بالآخرة ، والإبهام أليق به حتى يكون الناس على وجل وحذر فلا يتجرأون على الصغائر اعتمادا على الصلوات الخمس ، وكذلك اجتناب الكبائر يكفر الصغائر بموجب قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ النساء : 31 ] ولكن اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة ، كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع فيقتصر على نظر أو لمس ، فإن مجاهدة نفسه بالكف عن الوقاع أشد تأثيرا في قلبه من إقدامه على النظر في إظلامه ، فهذا معنى تكفيره ، فإن كان عنينا أو لم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادرا ولكن امتنع لخوف أمر آخر . فهذا لا يصلح للتكفير أصلا ، وكل من لا يشتهي الخمر بطبعه ولو أبيح له لما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التي هي من مقدماته كسماع الملاهي والأوتار ، نعم . من يشتهي الخمر وسماع الأوتار فيمسك نفسه بالمجاهدة عن الخمر ويطلقها في السماع فمجاهدته النفس بالكف ربما تمحو عن قلبه الظلمة التي ارتفعت إليه من معصية السماع ،