مرتضى الزبيدي

628

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

أن مقصود الشرائع كلها سياقة الخلق إلى جوار اللّه تعالى وسعادة لقائه ، وأنه لا وصول لهم إلى ذلك إلا بمعرفة اللّه تعالى ومعرفة صفاته وكتبه ورسله ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] أي ليكونوا عبيدا لي . ولا يكون العبد عبدا ما لم يعرف ربه بالربوبية ونفسه بالعبودية ولا بدّ أن يعرف نفسه وربه ، فهذا هو المقصود الأقصى ببعثة الأنبياء ، ولكن لا يتم هذا إلا في الحياة الدنيا ، وهو المعنى بقوله عليه السلام : « الدنيا مزرعة الآخرة » ، فصار حفظ الدنيا أيضا مقصودا تابعا للدين لأنه وسيلة إليه . والمتعلق من الدنيا بالآخرة شيئان : النفوس والأموال ، فكل ما يسد باب معرفة اللّه تعالى فهو أكبر الكبائر ويليه ما يسد باب حياة النفوس ويليه ما يسد باب المعايش التي بها حياة النفوس ، فهذه ثلاث مراتب ، فحفظ المعرفة على القلوب ، والحياء على الأبدان ، والأموال على الأشخاص ضروري في مقصود