مرتضى الزبيدي

597

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

فالقلب المظلم لا يقبله اللّه تعالى لأن يكون في جواره ، وكما أن استعمال الثوب في الأعمال الخسيسة يوسخ الثوب وغسله بالصابون والماء الحار ينظفه لا محالة ، فاستعمال القلب في الشهوات يوسخ القلب ، وغسله بماء الدموع وحرقة الندم ينظفه ويطهره ويزكيه ، وكل قلب زكي طاهر فهو مقبول ، كما أن كل ثوب نظيف فهو مقبول ، فإنما عليك التزكية والتطهير . وأما القبول فمبذول قد سبق به القضاء الأزلي الذي لا مرد له ، وهو المسمى فلاحا في قوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [ الشمس : 9 ] ومن لم يعرف على سبيل التحقيق معرفة أقوى وأجلى من المشاهدة بالبصر أن القلب يتأثر بالمعاصي والطاعات تأثرا متضادا يستعار لأحدهما لفظ الظلمة كما يستعار للجهل ، ويستعار للآخر لفظ النور كما يستعار للعلم ، وأن بين النور والظلمة تضادا ضروريا لا يتصوّر الجمع بينهما ، فكأنه لم يبق من الدين إلا قشوره ولم يعلق به إلا أسماؤه وقلبه في غطاء كثيف عن حقيقة الدين بل عن حقيقة نفسه وصفات نفسه ، ومن جهل نفسه فهو بغيره أجهل وأعني به قلبه ، إذ بقلبه يعرف غير قلبه ، فكيف يعرف غيره وهو لا يعرف قلبه ، فمن يتوهم أن التوبة تصح ولا تقبل كمن يتوهم أنّ الشمس تطلع والظلام لا يزول ، والثوب يغسل بالصابون