مرتضى الزبيدي

537

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

وإشفاؤهم ، وسهل عليه دواؤهم فانبعث من ذات نفسه عزم جازم في الاشتغال بنصحهم وحرضه الشيطان على ذلك رجاء أن يجد مجالا للفتنة ، فلما اشتغل بذلك وجد الشيطان مجالا للفتنة فدعاه إلى الرئاسة دعاء خفيا أخفى من دبيب النمل لا يشعر به المريد فلم يزل ذلك الدبيب في قلبه حتى دعاه إلى التصنع والتزين للحق بتحسين الألفاظ والنغمات والحركات والتصنع في الزي والهيئة ، فأقبل الناس إليه يعظمونه ويبجلونه ويوقرونه توقيرا يزيد على توقير الملوك إذ رأوه شافيا لأدوائهم بمحض الشفقة والرحمة من غير طمع ، فصار أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم وأقاربهم ، فآثروه بأبدانهم وأموالهم وصاروا له خولا كالعبد والخدم فخدموه وقدموه في المحافل وحكموه على الملوك والسلاطين ، فعند ذلك انتشر الطبع وارتاحت النفس وذاقت لذة يا لها من لذة أصابت من الدنيا شهوة يستحقر معها كل شهوة ، فكان قد ترك الدنيا فوقع في أعظم لذاتها ، فعند ذلك وجد الشيطان فرصة وامتدت إلى قلبه يده فهو يستعمله في كل ما يحفظ عليه تلك اللذة ، وأمارة انتشار الطبع وركون النفس إلى الشيطان أنه لو أخطأ فرد عليه بين يدي الخلق غضب ، فإذا أنكر على نفسه ما وجده من الغضب بادر الشيطان فخيل إليه أن ذلك