مرتضى الزبيدي

534

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

ذكرناه في كتاب ذم الدنيا ، وكتاب ذكر الموت ليتبين له أن لا نسبة للدنيا إلى الآخرة ، فإذا عرف نفسه وربه وعرف الدنيا والآخرة ثار من قلبه بمعرفة اللّه حب اللّه وبمعرفة الآخرة شدة الرغبة فيها وبمعرفة الدنيا الرغبة عنها ، ويصير أهم أموره ما يوصله إلى اللّه تعالى وينفعه في الآخرة . وإذا غلبت هذه الإرادة على قلبه صحت نيته في الأمور كلها ، فإن أكل مثلا أو اشتغل بقضاء الحاجة كان قصده منه الاستعانة على سلوك طريق الآخرة وصحت نيته واندفع عنه كل غرور منشؤه تجاذب الأغراض والنزوع إلى الدنيا والجاه والمال ، فإن ذلك هو المفسد للنية . وما دامت الدنيا أحب إليه من الآخرة وهوى نفسه أحب إليه من رضا اللّه تعالى فلا يمكنه الخلاص من الغرور . فإذا غلب حب اللّه على قلبه بمعرفته باللّه وبنفسه الصادرة عن كمال عقله فيحتاج إلى المعنى الثالث وهو العلم . أعني العلم بمعرفة كيفية سلوك الطريق إلى اللّه ، والعلم بما يقربه من اللّه وما يبعده عنه ، والعلم بآفات الطريق وعقبانه وغوائله ، وجميع ذلك قد أودعناه كتب إحياء علوم الدين ، فيعرف من ربع العبادات شروطها فيراعيها وآفاتها فيتقيها ، ومن ربع العادات أسرار المعايش وما هو مضطر إليه فيأخذه بأدب الشرع وما هو مستغن عنه فيعرض عنه ، ومن ربع المهلكات يعلم جميع العقبات المانعة في طريق اللّه ، فإن