مرتضى الزبيدي

529

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

الأداء إلى الغير فلا قيمة له ، وربما يغتر بما يسمعه من الواعظ عن فضل حضور المجلس وفضل البكاء ، وربما تدخله رقة كرقة النساء فيبكي ولا عزم ، وربما يسمع كلاما مخوّفا فلا يزيد على أن يصفق بيديه ويقول : يا سلام سلم ! أو نعوذ باللّه أو سبحان اللّه ! ويظن أنه قد أتى بالخير كله وهو مغرور ، وإنما مثاله مثال المريض الذي يحضر مجالس الأطباء فيسمع ما يجري ، أو الجائع الذي يحضر عنده من يصف الأطعمة اللذيذة الشهية ثم ينصرف ، وذلك لا يغني عنه من مرضه وجوعه شيئا ، فكذلك سماع وصف الطاعات دون العمل بها لا يغني من اللّه شيئا . فكل وعظ لم يغير منك صفة تغييرا يغير أفعالك حتى تقبل على اللّه تعالى إقبالا قويا أو ضعيفا وتعرض عن الدنيا ، فذلك الوعظ زيادة حجة عليك ، فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغرورا . فإن قلت : فما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يتخلص منه أحد ولا يمكن الاحتراز منه ، وهذا يوجب اليأس إذ لا يقوى أحد من البشر على الحذر خفايا هذه الآفات ؟ فأقول : الإنسان إذا فترت همته في شيء أظهر اليأس منه واستعظم الأمر واستوعر الطريق ، وإذا صح منه الهوى اهتدى إلى الحيل واستنبط بدقيق النظر خفايا الطريق في الوصول إلى الغرض حتى أن الإنسان إذا أراد أن يستنزل الطير المحلق في جوّ السماء مع