مرتضى الزبيدي

51

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

فإلى خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له ، ويكون حالك كحال من مات قبلك من ذوي الجاه مع المتواضعين له . فهذا لا ينبغي أن يترك به الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها ، ومن فهم الكمال الحقيقي والكمال الوهمي - كما سبق - صغر الجاه في عينه ، إلا أن ذلك إنما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة ويكون الموت كالحاصل عنده ، ويكون حاله كحال الحسن البصري حين كتب إلى عمر بن عبد العزيز : ( أما بعد : فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات ) فانظر كيف مدّ نظره نحو المستقبل وقدره كائنا . وكذلك حال عمر بن عبد العزيز حين كتب في جوابه : ( أما بعد : فكأنك بالدنيا لم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل ) ، فهؤلاء كان التفاتهم إلى العاقبة ، فكان عملهم لها بالتقوى إذ علموا أن العاقبة للمتقين فاستحقروا الجاه والمال في الدنيا . وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتد نورها إلى مشاهدة العواقب ، ولذلك قال تعالى : بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا *