مرتضى الزبيدي

358

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

عياله ببعضه ، فرجع وهو يقول : إن هذا لحسن ، ولكن ليس هذا كالتفرغ لطاعة اللّه فأتي في النوم ثانيا فقيل له ائت فلانا الإسكاف . فقل له : ما هذا الصفار الذي بوجهك ؟ فأتاه فسأله فقال له : ما رأيت أحدا من الناس إلا وقع لي أنه سينجو وأهلك أنا ، فقال العابد بهذه . والذي يدل على فضيلة هذه الخصلة قوله تعالى : يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ [ المؤمنون : 60 ] أي انهم يؤتون الطاعات وهم على وجل عظيم من قبولها . وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [ المؤمنون : 57 ] وقال تعالى : إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ [ الطور : 26 ] وقد وصف اللّه تعالى الملائكة عليهم السلام مع تقدسهم عن الذنوب ومواظبتهم على العبادات على الدؤوب بالإشفاق ، فقال تعالى مخبرا عنهم : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : 20 ] وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [ الأنبياء : 28 ] فمتى زال الإشفاق والحذر مما سبق به القضاء في الأزل - وينكشف عند خاتمة الأجل - غلب الأمن من مكر اللّه وذلك يوجب الكبر وهو سبب الهلاك . فالكبر دليل الأمن والأمن مهلك . والتواضع دليل الخوف وهو مسعد ؛ فإذن ما يفسده العابد بإضمار الكبر واحتقار الخلق والنظر إليهم بعين الاستصغار أكثر مما