مرتضى الزبيدي
332
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
باختياره لجاز أن يطغى وينسى المبدأ والمنتهى ، ولكنه سلط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة والآفات المختلفة والطباع المتضادة ، من المرّة والبلغم والريح والدم يهدم البعض من أجزائه البعض ، شاء أم أبى رضي أم سخط ، فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها ، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا خيرا ولا شرا ، يريد أن يعلم الشيء فيجهله ، ويريد أن يذكر الشيء فينساه ويريد أن ينسى الشيء ويغفل عنه فلا يغفل عنه ، ويريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمه فيجول في أودية الوساوس والأفكار بالاضطرار ، فلا يملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه ، ويشتهي الشيء وربما يكون هلاكه فيه ، ويكره الشيء وربما تكون حياته فيه ، يستلذ الأطعمة وتهلكه وترديه ، ويستشبع الأدوية وهي تنفعه وتحييه ، ولا يأمن في لحظة من ليله أو نهاره أن يسلب سمعه وبصره وتفلج أعضاؤه ويختلس عقله ويختطف روحه ويسلب جميع ما يهواه في دنياه ، فهو مضطر ذليل إن ترك بقي وإن اختطف فني ، عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ولا شيء من غيره ، فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه ؟ وأنّى يليق الكبر به لولا جهله ؟ فهذا أوسط أحواله فليتأمل .