مرتضى الزبيدي
27
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
أقاصي البلاد التي يعلم قطعا أنه لا يطؤها ولا يشاهد أصحابها ، ليعظموه أو ليبروه بمال أو ليعينوه على غرض من أغراضه ، ومع اليأس من ذلك فإنه يلتذ به غاية الالتذاذ وحب ذلك ثابت في الطبع ، ويكاد يظن أن ذلك جهل فإنه حب لما لا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة ؟ فنقول : نعم هذا الحب لا تنفك عنه القلوب . وله سببان ؟ أحدهما : جليّ تدركه الكافة . والآخر : خفيّ وهو أعظم السببين ولكنه أدقهما وأخفاهما وأبعدهما عن إفهام الأذكياء فضلا عن الأغبياء ، وذلك لاستمداده من عرق خفي في النفس وطبيعة مستكنة في الطبع لا يكاد يقف عليها إلا الغوّاصون . فأما السبب الأوّل ! فهو دفع ألم الخوف ، لأن الشفيق بسوء الظن مولع ، والإنسان وإن كان مكفيا في الحال فإنه طويل الأمل ويخطر بباله أن المال الذي فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره ، فإذا خطر ذلك بباله هاج الخوف من قلبه ولا يدفع ألم الخوف إلا الأمن الحاصل بوجود مال آخر يفزع إليه إن أصابت هذا المال جائحة ، فهو أبدا لشفقته على نفسه وحبه للحياة يقدر طول الحياة ؛ ويقدر هجوم الحاجات ؛ ويقدر إمكان تطرق الآفات إلى الأموال ، ويستشعر الخوف من ذلك فيطلب ما يدفع خوفه وهو كثرة