مرتضى الزبيدي

219

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

فيخف عليه مهاجرة اللذات ومصابرة المكروهات . فكذلك المؤمن المريد لملك الآخرة احتمى عن كل مهلك له في آخرته وهي لذات الدنيا وزهرتها فاجتزى منها بالقليل ، واختار النحول والذبول والوحشة والحزن والخوف ، وترك المؤانسة بالخلق خوفا من أن يحل عليه غضب من اللّه فيهلك ، ورجاء أن ينجو من عذابه ، فخف ذلك كله عليه عند شدة يقينه وإيمانه بعاقبة أمره وبما أعدّ له من النعيم المقيم في رضوان اللّه أبد الآباد . ثم علم أن اللّه كريم رحيم لم يزل لعباده المريدين لمرضاته عونا وبهم رؤوفا وعليهم عطوفا ولو شاء لأغناهم عن التعب والنصب ، ولكن أراد أن يبلوهم ويعرف صدق إرادتهم حكمة منه وعدلا ، ثم إذا تحمل التعب في بدايته أقبل اللّه عليه بالمعونة والتيسير وحط عنه الأعباء وسهل عليه الصبر ، وحبب إليه الطاعة ورزقه فيها من لذة المناجاة ما يلهيه عن سائر اللذات ويقوّيه على إماتة الشهوات ويتولى سياسته وتقويته وأمده بمعونته ، فإن الكريم لا يضيع سعي الراجي ولا يخيب أمل المحب وهو الذي يقول : « من تقرب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا » ، ويقول تعالى : « لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي وإني إلى