مرتضى الزبيدي

185

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

وأما الوعظ والفتوى والتدريس ورواية الحديث وجمع الأسانيد العالية ، وكل ما يتسع بسببه الجاه ويعظم به القدر ؛ فآفته أيضا عظيمة مثل آفة الولايات ، وقد كان الخائفون من السلف يتدافعون الفتوى ما وجدوا إليه سبيلا ، وكانوا يقولون : حدثنا ، باب من أبواب الدنيا ، ومن قال : حدثنا ، فقد قال أوسعوا لي . ودفن بشر كذا وكذا قمطرة من الحديث وقال : يمنعني من الحديث أن أشتهي أن أحدث ولو اشتهيت أن لا أحدث لحدثت . والواعظ يجد في وعظه وتأثر قلوب الناس به وتلاحق بكائهم وزعقاتهم وإقبالهم عليه لذة لا توازيها لذة ، فإذا غلب ذلك على قلبه مال طبعه إلى كل كلام مزخرف يروج عند العوام وإن كان باطلا ويفر عن كل كلام يستثقله العوام وإن كان حقا ، ويصير مصروف الهمة بالكلية إلى ما يحرك قلوب العوام ويعظم منزلته في قلوبهم ، فلا يسمع حديثا وحكمة إلا ويكون فرحه به من حيث أنه يصلح لأن يذكره على رأس المنبر ، وكان ينبغي أن يكون فرحه به من حيث أنه عرف طريق السعادة وطريق سلوك سبيل الدين ليعمل به أولا ، ثم يقول : إذا أنعم اللّه عليّ بهذه النعمة ونفعني بهذه الحكمة