مرتضى الزبيدي
76
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
يكون الطبع باعثا والشرع مانعا فيتقاومان ويحصل الاعتدال ، فإن من يقدر على قمع الطبع بالكلية بعيد فيعلم أنه لا ينتهي إلى الغاية ، فإنه إن أسرف مسرف في مضادة الطبع كان في الشرع أيضا ما يدل على إساءته كما أن الشرع بالغ في الثناء على قيام الليل وصيام النهار ، ثم لما علم النبي صلّى اللّه عليه وسلم من حال بعضهم أنه يصوم الدهر كله ويقوم الليل كله نهى عنه ، فإذا عرفت هذا فاعلم أن الأفضل بالإضافة إلى الطبع المعتدل أن يأكل بحيث لا يحس بثقل المعدة ولا يحس بألم الجوع بل ينسى بطنه فلا يؤثر فيه الجوع أصلا فإن مقصود الآكل بقاء الحياة وقوة العبادة ، وثقل المعدة يمنع من العبادة وألم الجوع أيضا يشغل القلب ويمنع منها . فالمقصود أن يأكل أكلا لا يبقى للمأكول فيه أثر ليكون متشبها بالملائكة فإنهم مقدسون عن ثقل الطعام وألم الجوع ، وغاية الإنسان الاقتداء بهم ، وإذا لم يكن للإنسان خلاص من الشبع والجوع فأبعد الأحوال عن الطرفين الوسط وهو الاعتدال . ومثال طلب الآدمي البعد عن هذه الأطراف المتقابلة بالرجوع إلى الوسط مثال نملة ألقيت في وسط حلقة محمية على النار مطروحة على الأرض ، فإن النملة تهرب من حرارة الحلقة وهي محيطة بها لا تقدر على الخروج منها . فلا تزال تهرب حتى تستقر على المركز