مرتضى الزبيدي

62

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

لا نطرح في وعائنا إلا من حيث نعلم ، فقال : كل عافاك اللّه فإنما أعطيته ، فقيل لي : يا خضر اذهب بهذا وأطعمه نفس إبراهيم بن أدهم فقد رحمها اللّه من طول صبرها على ما يحملها من منعها ، اعلم يا إبراهيم أني سمعت الملائكة يقولون : من أعطى فلم يأخذ طلب فلم يعط ، فقلت : إن كان كذلك فها أنا بين يديك لأجل العقد مع اللّه تعالى ، ثم التفت فإذا أنا بفتى آخر ناوله شيئا وقال : يا خضر لقمه أنت ، فلم يزل يلقمني حتى نعست فانتبهت وحلاوته في فمي ، قال شقيق : فقلت أرني كفك ، فأخذت بكفه فقبلتها وقلت : يا من يطعم الجياع الشهوات إذا صححوا المنع ، يا من يقدح في الضمير اليقين ، يا من يشفي قلوبهم من محبته ، أترى لشقيق عبدك حالا ؟ ثم رفعت يد إبراهيم إلى السماء وقلت : بقدر هذا الكف عندك وبقدر صاحبه بالجود الذي وجد منك جد على عبدك الفقير إلى فضلك وإحسانك ورحمتك وإن لم يستحق ذلك ؛ قال : فقام إبراهيم ومشى حتى أدركنا البيت « 1 » . وروي عن مالك بن دينار أنه بقي أربعين سنة يشتهي لبنا فلم يأكله . وأهدي إليه يوما رطب فقال لأصحابه : كلوا فما ذقته منذ أربعين سنة . وقال أحمد بن أبي الحواري : اشتهى أبو سليمان الداراني رغيفا حارا بملح فجئت به إليه فعض منه عضة ثم طرحه وأقبل يبكي وقال : عجلت إلى شهوتي بعد إطالة جهدي وشقوتي قد عزمت على التوبة فأقلني ! قال أحمد : فما رأيته أكل الملح حتى لقي اللّه تعالى . وقال مالك بن ضيغم : مررت

--> ( 1 ) من قوله : « قال شقيق بن إبراهيم » إلى قوله : « حتى أدركنا البيت » لم يرد في سياق الشرح .