مرتضى الزبيدي

29

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

فأخاف أن يجمح بي فيورطني ، فلأن أحمله على الشدائد أحب إليّ من أن يحملني على الفواحش . وقال ذو النون : ما شبعت قط إلا عصيت أو هممت بمعصية . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : أوّل بدعة حدثت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الشبع . إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى هذه الدنيا ، وهذه ليست فائدة واحدة بل هي خزائن الفوائد ، ولذلك قيل : الجوع خزانة من خزائن اللّه تعالى وأقل ما يندفع بالجوع شهوة الفرج وشهوة الكلام ، فإن الجائع لا يتحرك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص به من آفات اللسان كالغيبة والفحش والكذب والنميمة وغيرها ، فيمنعه الجوع من كل ذلك وإذا شبع افتقر إلى فاكهة فيتفكه لا محالة بأعراض الناس ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم . وأما شهوة الفرج فلا تخفى غائلتها والجوع يكفي شرها ، وإذا شبع الرجل لم يملك فرجه وإن منفعته التقوى فلا يملك عينه فالعين تزني كما أن الفرج يزني فإن ملك عينه بغضّ الطرف فلا يملك فكره فيخطر له من الأفكار الرديئة وحديث النفس بأسباب