مرتضى الزبيدي

619

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

كفيه ضاما بين أصابعه ويمسح بهما جميع وجهه مرة واحدة ، وينوي عند ذلك استباحة والطاهر : اسم للمنبت والحلال والطاهر وأليق المعاني به الطاهر لأنه شرع للتطهير أو هو مراد إذ الطهارة شرط إجماعا فلم يبقى غيره مرادا لأن المشترك لا عموم له ، ولكن سياق المصنف يشعر بأن المراد من الصعيد هنا وجه الأرض فإنه قال : ( عليه تراب ) فلا يصح التيمم إلا به ، وبه قال أبو يوسف وأحمد : فلا يكفي ضرب اليد على حجر صلد لا غبار عليه خلافا لأبي حنيفة ومحمد حيث قالا : يجوز بكل ما هو من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر الأملس والزرنيخ والكحل ، ولا يشترط أن يكون على الحجر المضروب عليه غبار ، ولمالك حيث يقول بمثل قولهما ، وزاد فجوز بكل متصل بالأرض أيضا كالأشجار والزروع . قلت : التيمم بالنباتات الأرضية قيد جواز التيمم به الخرشي في شرح المختصر بثلاثة شروط ورحجه شيخنا المرحوم علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي في حاشيته ، وعند أبي حنيفة كل شيء يصير رمادا أو يلين بالإحراق لا يجوز به التيمم وإلّا جاز وهو ضابط صحيح . قال الرافعي : ثم اسم التراب لا يختص ببعض الألوان والأنواع فيدخل فيه الأعفر والأصفر والأسود والأحمر والأرمني والخراساني والسبخ ، وهو الذي لا ينبت دون الذي يعلوه ملح ، فإن الملح ليس هو بتراب والبطحاء ، وهو التراب الذي في مسيل الماء وكل ذلك يقع عليه اسم التراب ، وما روي عن الشافعي في بيان ما لا يتيمم به ولا السبخ ولا البطحاء ، فليس ذلك اختلاف قول منه باتفاق الأصحاب ، وإنما أراد ما إذا كان صلبين لا غبار عليهما فهما إذا كالحجر الصلد وأغرب أبو عبد اللّه الحناطي ، فحكى في جواز التيمم بالذريرة النورة والزرنيخ قولين ، وكذا في الأحجار المدفونة والقوارير المسحوقة ، وأما الرمل فقد حكي عن نصه في القديم والإملاء جواز التيمم به ، وعن الأم المنع والنصان محمولان على حالتين إن كان خشنا لا يرتفع منه غبار ، وهو المراد بالمنع فإن ارتفع جاز ، وهو المراد بالجواز . ثم المعتبر في أوصاف التراب ما أشار إليه المصنف بقوله ( طاهر خالص ) أما كونه طاهرا فلا بد منه فلا يجوز التيمم بالتراب النجس ، وهو الذي أصابه مائع نجس أما إذا اختلط به جامد نجس كاجزاء الروث فلا تؤثر في أجزائه النجاسة ، لكن لا يجوز التيمم به أيضا ولو تيمم بتراب المقبر ففي جوازه قول يقابل الأصل والغالب والظاهر ، وأما كونه خالصا فيخرج عنه المشوب بالزعفران والدقيق ونحوهما ، فإن كان الخليط كثيرا لم يجز وإن كان قليلا فوجهان عن أبي إسحاق وصاحب التقريب أنه لا يضر . وزاد المصنف في الوجيز وصفا ثالثا وهو أن يكون مطلقا احترازا عن المستعمل ، وقد نظر فيه الرافعي وأطال الكلام في حكم التراب المستعمل فراجعه ، وقول المصنف : ( لين بحيث يثور ) أي يرتفع ( منه الغبار ) هذا وصف رابع للتراب ولم يذكره في الوجيز ( ويضرب عليه كفيه ) وصورة الضرب غير معينة ، بل لو كان التراب ناعما فوضع اليد عليه وعلق الغبار به كفى حالة كونه ( ضاما بين أصابعه ) غير مفرق . قال الرافعي : يمكن أن يراد به أن لا يجوز التفريج ذهابا إلى ما صار إليه القفال ومن وافقه ، لكنه لم يرد ذلك لأنه روى كلام القفال في الوسيط واستبعده ، وإنما أراد أنه