مرتضى الزبيدي
610
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
والنفاس ، وما عداه من الأغسال سنّة كغسل العيدين والجمعة والإحرام ولوقوف بعرفة وجوب الصلاة أو إرادة ما لا يحل إلا به ، ( و ) الرابع : غسل ( النفاس ) وهو بالكسر الدم الخارج عقب الولادة ووجوبه ثابت بالإجماع لأنه أقوى من الحيض إذ هو يثبت بنفس السيلان بخلاف الحيض ، بل وجوب الغسل بعد الولادة لا يتوقف على السيلان عند أبي حنيفة . وقال الرافعي : فلو ولدت ولم تر للأولاد دما ففي وجوب الغسل عليها وجهان . أحدهما : لا يجب وأظهرهما الوجوب لأنه لا يخلو من بلل ، وإن قل غالبا فيقام الولد مقامه . قلت : وفي الشامل لو ولدت ولم ترد ما يجب عليها الغسل عند أبي حنيفة لا عند صاحبيه . استطراد : ظاهر سياق المصنف يقتضي حصر موجبات الغسل في الأربعة المذكورة ، لكن إلقاء العلقة والمضغة موجب على الصحيح ، وكذا غسل الميت قال في القديم : يجب به الغسل على الغاسل ، وإليه ذهب أحمد والجديد أنه ليس من موجبات الغسل وما ورد فيه محمول على الاستحباب . قلت : وغسل الميت واجب على الكفاية ودليل وجوبه الإجماع ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم للذي سقط عن بعيره « اغسلوه بالماء والسدر » كذا في الصحيحين من حديث ابن عباس والأمر للوجوب ، وأطلق فيه ابن الهمام والسروجي وغيرهما أنه فرض كفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين ، وقد علم من ذلك أنه ليس المراد بالواجب هنا الاصطلاحي الذي دون الفرض عندنا ، ثم قيل سببه حدث حل بالموت لاسترخائه فوق النوم والإغماء . وقال الجرجاني : نجاسة حلت بالموت طهارته بالغسل لكرامته ، ولذا يتنجس البئر بموته فيها ولو وقع فيها بعد الغسل لا يتنجس . وقال السروجي في شرح الهداية قول الجرجاني هو الأظهر ، ( وما عداه من الإغسال ) أي ما سوى المذكور من الأربعة ( سنة ) وهي أربعة : ( كالغسل ليوم الجمعة ) وعند مالك هو واجب لقوله عليه السّلام « من أتى منكم الجمعة فليغتسل » . متفق عليه أمر وهو للوجوب . قلنا : كان ذلك في الابتداء ، ثم نسخ لما روى أبو داود عن عكرمة أن أناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا يا ابن عباس : أترى الغسل يوم الجمعة واجبا ؟ قال : لا . لكنه أطهر وخير لمن اغتسل وسأخبركم كيف بدأ الغسل كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم ، وكان مسجدهم ضيقا مقارب السقف إنما هو عريش ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في يوم حار وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح أذى بعضهم بذلك بعضا ، فلما وجد تلك الرياح قال : يا أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغسلوا وليس أحدكم أمثل ما يجد من دهنه وطيبه . قال ابن عباس : ثم جاء اللّه بالخير ولبسوا غير الصوف وكفوا العمل ووسع مسجدهم ، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال : بينما عمر يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان فعرض به عمر ، فقال : ما بال رجال يتأخرون بعد النداء ؟ فقال عثمان يا أمير المؤمنين : ما زدت حين سمعت النداء إن توضأت ثم أقبلت فقال عمر : والوضوء أيضا ألم تسمعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل »