مرتضى الزبيدي
424
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
قال تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] . وقال تعالى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ [ الحديد : 10 ] الآية . وقد قال تعالى : هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [ آل عمران : 163 ] . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإيمان عريان ولباسه التقوى » الحديث . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإيمان وَآتَى الْمالَ إلى قوله وَفِي الرِّقابِ وإلى الثالث بقوله : وَأَقامَ الصَّلاةَ إلى آخرها . ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا إلى ايمانه واعتقاده ، وبالتقوى اعتبارا بمباشرته للخلوة معاملة مع الحق . وقد أخرج عبد الرزاق ، عن أبي ذر بسند رجاله ثقات أنه سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإيمان فتلا عليه هذه الآية . ثم قال صاحب القوت : وقال تعالى في وصف المختبرين مع المؤمنين وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ * إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ [ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : 36 ، 37 ] فشتان بين من وصف بالمجاهدة والصدق ، وبين من وصف بالخلف وعرض للمقت ، وبين من وصف بالحق ، وبين من يجادل في الحق ، وكم بين من قبل منه المال والنفس ، وبين من رد عليه المال ولم يسأله لما علم منه من البخل والضغن . واسم الإيمان يجمعهم . ومعناه يشتمل عليهم إلا أن مقامات الإيمان ترفع بعضهم على بعض ويفاوت بين بعض وبعض . ( وقد قال اللّه تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] و ) في مثله ( قال تعالى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ [ الحديد : 10 ] الآية ) أي إلى آخرها ، وهو قوله تعالى : أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [ الحديد : 10 ] يعني : الجنة على تفاوت الدرجات فيها ، فجمع بينهم في الدار كما جمع بينهم في اسم الايمان ، ورفعهم في الدرجات علوا في المقامات ، ( وقد قال تعالى : هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ [ آل عمران : 163 ] . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإيمان عريان ولباسه التقوى » الحديث ) أي إلى آخره ، وهو قوله : « وزينته الحياء ، وحليته الورع ، وثمرته العلم » . وقد تقدم تخريجه في كتاب العلم . قال صاحب القوت : ففيه معنى أن من لا تقوى له فلا لبس لايمانه ، ومن لا ورع له فلا زينة لايمانه ، ومن لا علم له فلا ثمرة لايمانه ، فإن اتفق فاسق جاهل ظالم كان بالمنافقين أشبه منه بالمؤمنين ، وكان إيمانه على النفاق أقرب ويقينه إلى الشك أميل ولم يخرجه من اسم الإيمان ، إلا أن ايمانه عريان لا لبس له معطل لا كسب له كما قال : أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً [ الأنعام : 158 ] والنفاق مقامات ، وقد قيل : سبعون بابا ، والشرك مثل ذلك وهم فيه طبقات . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإيمان بضع وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق » ) قد تقدم الكلام على تخريجه قريبا ، والاختلاف في قول البخاري ومسلم في الشك ، فلفظ مسلم : « فأفضلها قول لا إله إلا اللّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق » ، وفي رواية : « أعظمها » . وفي أخرى : « أعلاها » . ورواه حماد بن سلمة ، عن سهل ، عن عبد اللّه بن دينار ، عن أبي صالح عن أبي هريرة