مرتضى الزبيدي

421

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

فإذا قيل لك أن فلانا يموت سريعا فتقول إن شاء اللّه فيفهم منه رغبتك لا تشككك ، وإذا قيل لك : فلان سيزول مرضه ويصح فتقول إن شاء اللّه بمعنى الرغبة فقد صارت الكلمة معدولة عن معنى التشكيك إلى معنى الرغبة ، وكذلك العدول إلى معنى التأدب لذكر اللّه تعالى كيف كان الأمر . يموت سريعا ) أو يقع سريعا ( فتقول ) في عقبه : ( إن شاء اللّه فيفهم منه رغبتك ) في موته أو وقوعه في الهلاك ( لا تشككك ، و ) كذلك ( إذا قيل لك مثلا : فلان يزول مرضه ويصح ) بدنه ( فتقول : إن شاء اللّه ) فهو ( بمعنى الرغبة ) والتمني ، ( فقد صارت الكلمة معدولة ) أي مصروفة ( عن معنى التشكك إلى معنى الرغبة ، فكذلك العدول إلى معنى التأدب لذكر اللّه تعالى ) والتبرك به ( كيف كان الأمر ) . وحاصل هذا الوجه أنهم خرجوا إن شاء اللّه ههنا إلى معنى آخر غير الشك وهو التبرك والتأدب ، واستدل عليه بالآيتين ، وحديث المقابر . ومن أحسن ما يستشهد به هنا ما أخرجه البخاري عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « قال سليمان عليه السّلام : لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل اللّه ، فقال له صاحبه : قل إن شاء اللّه فلم يقل إن شاء اللّه فطاف عليهنّ جميعا فلم تحمل منهنّ إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ، والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون » . وأخرجه مسلم كذلك من طريق أخرى نحوه . ومنها ما أخرجه مسلم من طريق غندر ، عن شعبة ، عن محمد بن زياد سمعت أبا هريرة يحدث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيبت له وإني أريد إن شاء اللّه أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة » . ومنها ما أخرجه اللالكائي من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، عن أبيه ، عن جده أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأصحابه : « ما تقولون في رجل قتل في سبيل اللّه ؟ قالوا : الجنة . قال : الجنة إن شاء اللّه . قال : فما تقولون في رجل مات فقام رجلان ذوا عدل فقالا لا نعلم إلا خيرا . قالوا اللّه ورسوله أعلم . فقال : الجنة إن شاء اللّه . قال : فما تقولون في رجل مات فقام رجلان فقالا لا نعلم إلا شرا ، فقالوا بالنار . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : عبد مذنب ورب غفور » . وفي القوت وقيل : من قال افعل كذا ولم يقل إن شاء اللّه سأله اللّه عز وجل عن هذا القول يوم القيامة فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، فكل ما ذكر مستقبل وربط المستقبل بالشرط غير مستنكر ، وإنما ينكر ربط الحال بالشرط ، ووضع الحنفية قولهم للتبرك مع ظهوره في التشكيك والترديد . وفي شرح المقاصد أنه للتأديب بإحالة الأمور إلى مشيئة اللّه تعالى ، وهذا ليس فيه معنى الشك أصلا ، وإنما هو كقوله : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ الآية . وكقوله عليه السّلام تعليما إذا دخل المقابر قال : « السّلام عليكم » الحديث اه .