مرتضى الزبيدي
240
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
حيث تعرضها للتغير وتقلب الأوصاف ، فكيف يكون خالقها مشاركا لها في قبول التغير ؟ وينبني على هذا أن كلامه قديم قائم بذاته وإنما الحادث هي الأصوات الدالة عليه ، وكما عقل قيام طلب التعلم وإرادته بذات الوالد للولد قبل أن يخلق ولده حتى تقوم الحوادث إلا بحادث ، ولو قام بجسم لكان المتكلم ذلك الجسم ، ويبطل وجود الكلام لا في محل لأنه عرض من الأعراض ، ويستحيل قيام الأعراض بأنفسها إذ لو جاز ذلك في ضرب منها لجاز في سائرها ، ( وإنما ثبت نعت الحدث للأجسام من حيث تعرضها للتغير ) وقبولها له وحلوله فيها ( وتقلب الأوصاف ، فكيف يكون خالقها ) أي تلك الأجسام ( مشاركا لها ) أي تلك الأجسام ( في ) أوصافها اللازمة لها ( قبول التغير ) وتقلب الوصف ؟ ( وينبغي على هذا ) الذي ذكر آنفا من الإستدلال ( أن كلامه قديم قائم بذاته ، وإنما الحادث هي الأصوات الدالة عليه ) ، ولتعلم أن القرآن بالمعنى الأزلي لا يدخل تحت الزمان ولا يوصف بماض ولا مستقبل ولا حال ضرورة أن الأزلي مناف للزمان ، لأن الزمان من لواحق الحادث ولا شيء من الحوادث بأزلي ، وأما بمعنى الفعل الدال على ذلك أو بعض ما هو متعلق ذلك فنعم فنحو قوله تعالى : وَقالَ مُوسى [ إبراهيم : 8 ] فَعَصى فِرْعَوْنُ [ المزمل : 16 ] فالداخل تحت الزمان من ذلك هو الدال لا المدلول القديم والمتعلق به اسم مفعول والتعلق التنجيزي لا المتعلق اسم فاعل الذي هو صفة واحدة لا تعداد فيها ولا التعلق الصلاحي ونحو قوله تعالى : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [ البقرة : 255 ] فالدال وحده حادث ، وأما المدلول الذي هو الصفة والمتعلق الذي هو الذات المسند إليه ، والصفة التي هي المسند والنسبة التي هي الوقوع والتعلق بجميع ذلك قديم . ونحو قوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً [ نوح : 1 ] هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ [ الأعراف : 57 ] فالدال حادث والمدلول الذي هو الصفة قديمة والمتعلق بعضه قديم وهو الذات المسند إليه ، والحاصل أن المتعلق قد يكون كله قديما ، وقد يكون كله حادثا ، وقد يكون بعضه وبعضه ، فاعلم ذلك . ودليل آخر على قدم الكلام ، هو أنه لو كان كلامه تعالى مخلوقا لكان قبل أن يخلق لنفسه الكلام بضد الكلام موصوفا وهو باطل ، أو كان ذلك الضد قديما والقديم لا يعدم ، فيجب في سياق ذلك أن لا يكون الباري تعالى قط متكلما وهو كفر ، فقد ثبت أن كلام الباري تعالى قديم ، وأورد ابن الهمام في المسايرة ما استدل به المصنف على طريق التنزل فقال : لو لم يمتنع قيام الحوادث به وقام بذاته معنى فترددنا في قدمه معه وحدوثه فيه ولا معنى لأحدهما ، وجب إثبات قدم ذلك المعنى ، لأن الأنسب بالقديم من حيث هو قديم قدم صفاته . إذ القديم بالقدم أنسب من الحادث بالقديم لاتحادهما في وصف القدم ، ولأن الأصل من صفات القديم من حيث هو قديم عدم الحدوث ، فكيف لا يجب إثبات قدم المعنى القائم بذاته إذا بطل قيام الحوادث به بأدلته المبينة في محالها ، فقد وجه المقتضي لثبوت قدم المعنى القائم بذاته تعالى مع أنه لا مانع من قدم كلامه النفسي ، وإذا ثبت وجود المقتضي وانتفاء المانع ثبت المدعي .