مرتضى الزبيدي
217
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
الأصل الأول : العلم بأن صانع العالم قادر ، وانه تعالى في قوله : وَهُوَ عَلى كُلِّ بموجودة ولا معدومة . وبالجملة فمن نفى الأحوال ينظر في الصفات الجارية على الذات ، وفي الصفات القائمة في تعلقها ، ومن أثبت ينظر في ذلك ويزيد بالنظر في إثبات الحال وفي تعبير المتأخرين بعد ذكر الصفات السلبية ذكر صفات المعاني وهي سبعة : القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام ، ويقال لها أيضا صفات الذات ، وصفات الإكرام ، وصفات الثبوت ، وتقديم صفات السلب عليها من تقديم التخلية على التحلية ، كما في تقديم النفي على الإثبات في لا إله إلا اللّه ، وتقديم المعاني على المعنوية لتوقفها عليها إشتقاقا وتحققا إذ العالم مثلا المأخوذ من كونه عالما مشتق من العلم وثبوته للذات فرع ثبوته لها وقيامه بها ، وبعضهم قدم المعنوية للاتفاق عليها ولأنها دلائل على صفات المعاني ، وإنما سميت في الاصطلاح صفات المعاني لأنها صفات موجودة في نفسها سواء كانت حادثة كبياض الجرم مثلا وسواده أو قديمة كعلمه تعالى وقدرته ، فكل صفة موجودة في نفسها تسمى صفة معنى لأنها معان زائدة على معنى الذات العلية ، وهذا في اصطلاح المتأخرين . وأما المتقدمون كالمصنف وغيره فلا فرق عندهم بين المعاني والمعنوية ويطلقون صفات المعاني عليهما معا ، لأن ما يسميه غيرهم صفات معنوية هو عندهم عبارة عن قيام المعاني بالذات ، فمعنى كونه عالما قيام العلم بالذات وإن كانت الصفة غير موجودة في نفسها ، فإن كانت واجبة للذات ما دامت الذات غير معللة بعلة سميت صفة نفسية أو حالا نفسية ، ومثالها التحيز للجرم وكونه قابلا للإعراض مثلا ، وإن كانت الصفة غير موجودة في نفسها إلا أنها معللة بأنها تجب للذات ما دامت علتها قائمة بالذات سميت صفة معنية أو حالا معنوية ، ومثالها كون الذات عالمة أو قادرة مثلا . ( ومداره على عشرة أصول ) : ( الأصل الأول : العلم بأن اللّه صانع العالم قادر ) أي ذو قدرة وهي عبارة عن المعنى الذي به يوجد الشيء مقدرا بتقدير الإرادة والعلم واقعا على وفقهما ، فالقادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل وليس من شرطه أن يشاء لا محالة ، فإن اللّه تعالى قادر على إقامة القيامة الآن ، فإنه لو شاء أقامها وإن كان لا يقيمها فإنه لم يشاءها ، ولا يشاؤها لما جرى في سابق علمه من تقدير أجلها ووقتها ، وذلك لا يقدح في القدرة والقادر المطلق هو الذي يخترع كل موجود اختراعا ينفرد به ويستغني فيه عن معاونة غيره هو اللّه سبحانه وتعالى قاله المصنف في المقصد الأسنى ، ( وأنه تعالى في قوله ) الكريم في كتابه العزيز ( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الملك : 1 ] صادق ) قال أبو منصور التميمي : قد وردت السنة بذكر القادر والمقتدر في أسماء اللّه تعالى ، وجاء القرآن بهذين الإسمين وبالقدير أيضا ، والقدير أبلغ من القادر ، والمقتدر أبلغ من القادر ، وللقادر معنيان يكون بمعنى القدير من القدرة على كل شيء وذلك صفة للّه عز وجل وحده من دون غيره ، وإنما يوصف القادر منا بالقدرة على بعض المقدورات دون بعض . الوجه الثاني : أن