مرتضى الزبيدي
21
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
المتكلمون العالم بجملته بما سوى واجب الوجود تغليبا واقتصارا لأنه تعالى يعلم به من حيث أسماؤه وصفاته ، وينقسم العالم أيضا على قسمين كبير وهو الفلك وما حواه من جوهر وعرض ، وصغير وهو الإنسان لأنه مخلوق على هيئة العالم الكبير ، وأوجد اللّه فيه كل ما أوجده في العالم الكبير . ومنها : الجوهر وهو ممكن قائم بنفسه هذا عند المتكلمين ، وينقسم إلى قسمين فرد وهو ما لا ينقسم حسا ولا وهما ولا عقلا ، وجسم وأقل ما تركب منه الجسم جوهران ، وقيل : أن الجوهر ماهية إذا وجدت في الأعيان كانت لا في موضوع ، وهو منحصر في خمسة هيولي وصورة وجسم ونفس وعقل ، لأنه إما أن يكون مجردا أو لا ، والأوّل ما لا يتعلق بالبدن تعلق تدبير وتصرف أو يتعلق والأوّل العقل ، والثاني النفس وغير المجرد إما مركب أو لا والأوّل الجسم والثاني اما حال أو محل الأول الصورة ، والثاني الهيولي وتسمى الحقيقة ، فالجوهر ينقسم إلى بسيط روحاني كالعقول والنفوس المجردة ، وإلى بسيط جسماني كالعناصر وإلى مركب في العقل دون الخارج كالماهيات الجوهرية المركبة من الجنس والفصل ، وإلى مركب منهما كالمولدات والممكن ما لا يقتضي وجودا ولا عدما لذاته ، والممكن بالذات ما يقتضي لذاته عدمه ، والقائم بنفسه هو ما يكون تحيزه بنفسه غير تابع في تحيزه لتحيز شيء آخر ، وقد يقال : القائم بنفسه ما استغنى بذاته عن محل يقوم به . ومنها : العرض وهو في مقابلة الجوهر هو الممكن القائم بغيره ، ومعنى القائم بالغير هو أن يكون تابعا في تحيزه لتحيز غيره ، ومن ثم امتنع قيام العرض بالعرض عند المتكلم ، وقد يقال : القيام بالغير هو الاختصاص الناعت ، وهذا التعريف أولى لشموله قيام الصفات الأزلية دون الأوّل إذا هو مختص بالمحدث الجسماني ، والعرض ينقسم عند المتكلمين إلى أحد وعشرين نوعا ، وعند بعضهم ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين على خلاف في ذلك يراجع في محله . الفصل السابع [ الكتب الموضوعة في هذا الفن ] اعلم أن الكتب الموضوعة في هذا الفن الذي هو علم العقائد على قسمين : منهم من يخليها من ذكر الأدلة بالكلية كما فعل النسفي وابن الحاجب والمصنف في هذه العقيدة المختصرة المذكورة هنا ، وكذا في الأربعين له والعز بن عبد السّلام وغيرهم ، ومنهم من يقتضب الأدلة اقتضابا كما فعل إمام الحرمين في اللمع ، وابن القشيري في التذكرة الشرقية ، والمصنف في الرسالة القدسية وهي التي بعد هذه المختصرة وغيرهم ، والأوّلون ذكروا المعتقدات وأهملوها من الأدلة ونبهوا على أنه لا بد من تحصيلها بالقاطع وتركوها قابلة للجميع ، حتى يمكن تبينها بأي طريق من الطرق الثلاثة التي هي طريقة أهل الحديث وطريقة أهل النظر الشاملة للأشاعرة والماتريدية وطريقة أهل التصوّف . وهذه العقيدة المختصرة التي قدمها المصنف في هذا الكتاب وأهمل فيها الأدلة بالكلية تعريضا بذلك ، فلنشرحها على الطرق الثلاث بحسب الامكان ، ولكن فلتعلم أن الوجدان الإلهامي حصول العلم به قاصر على واحده فلا يمكن تعليمه ، ولكن ننبه عليه لمن كان له