مرتضى الزبيدي
128
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
أنها تقول أشهد بالقول ولكن بالذات والحال . وكذلك ما من شيء إلا وهو محتاج في نفسه إلى موجد يوجده ويبقيه ويديم أوصافه ويردده في أطواره ، فهو بحاجته يشهد لخالقه بالتقديس يدرك شهادته ذوو البصائر دون الجامدين على الظواهر ، ولذلك قال تعالى : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الاسراء : 44 ] . وأما القاصرون فلا يفقهون أصلا ، وأما المقربون والعلماء الراسخون فلا يفقهون كنهه وكماله إذ لكل شيء شهادات شتى على تقديس اللّه سبحانه وتسبيحه ، ويدرك كل واحد بقدر عقله وبصيرته ، وتعداد تلك الشهادات لا يليق بعلم المعاملة . فهذا الفن أيضا مما يتفاوت أرباب الظواهر وأرباب البصائر في علمه وتظهر به مفارقة الباطن للظاهر . وفي هذا المقام لأرباب المقامات إسراف واقتصاد فمن مسرف في رفع الظواهر انتهى إلى تغيير جميع الظواهر والبراهين أو أكثرها حتى حملوا قوله تعالى : وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [ يس : 65 ] الفعل ( وكمال العلم ) وجودة المعرفة ( لا بمعنى أنها تقول : أشهد بالقول ) باللسان الظاهر ، ( ولكن بالذات و ) لسان ( الحال ، وكذلك ما من شيء ) من الأشياء ( إلا وهو محتاج في نفسه إلى موجد يوجده ) أي يخرجه من العدم إلى الوجود ( ويتقنه ) أي يحكمه ( ويديم أوصافه ويردده في أطواره ) المختلفة ، ( فهي بحالها تشهد لخالقها بالتقديس ) والتنزيه والضمير راجع إلى الأشياء ، وفي بعض النسخ فهو بحاجته يشهد لخالقه ( يدرك شهادتها ذوو البصائر ) الكاملة ( دون الجامدين على الظواهر ) فلا حظ لهم في ادراك تلك الشهادة ، ولذلك قال تعالى : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الاسراء : 44 ] ، يعني ليس في وسعكم أن تعرفوا حقيقة ذلك ، وأصل الفقه فهم الأشياء الخفية . وقيل : هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من مطلق الفهم . ( أما القاصرون ) عن نيل الكمال ( فلا يفقهون ) ذلك ( أصلا ، وأما المقربون ) إلى اللّه تعالى وهم فوق أهل اليمين ( والعلماء الراسخون ) في علومهم ( فلا يفقهون كنهه وكماله ) ، وكنه الشيء حقيقته ونهايته ( إذ لكل شيء شهادات شتى ) أي على أنواع كثيرة ( على تقديس اللّه سبحانه وتسبيحه ) وتنزيهه ، ( ويدرك كل واحد ) من أهل هذه المراتب ( بقدر رزقه ) ونصيبه الذي أعطيه ( وبصيرته ) التي خص بها دون غيره ( وتعداد تلك الشهادات ) أي كل شهادة شهادة تفصيلا ( لا تليق بعلم المعاملة ) بل هو من علم المكاشفة . ( فهذا الفن أيضا مما يتفاوت أرباب الظواهر وأرباب البصائر في علمه وتظهر به مفارقة الباطن للظاهر ) بخلاف الأقسام الأربعة المتقدمة ( وفي هذا المقام لأرباب المقامات إسراف ) أي مجاوزة الحدود ( واقتصاد ) أي الوقوف على مقام بين مقامين ( فمن مسرف ) مفرط ( في دفع ) وفي نسخة : رفع ( الظواهر انتهى ) حاله ( إلى تغيير جميع الظواهر أو أكثرها ) المتعلقة بالآخرة ( حتى حملوا قوله تعالى : وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ) [ يس : 65 ] أي بما كسبت ( وقوله تعالى : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ