السيد نعمة الله الجزائري
98
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
الإنسان أرضه وعظامه جبال تلك الأرض ورأسك سماء أرضك وقلبك شمس أرضك وسمعك وسائر حواسك نجومها ، ومفيض العرق من أرضك بحر أرضك وشعورك نبات أرضك وأطرافك أشجار أرضك وهكذا جميع أجزائك ، فإذا انهدمت بالموت أركان بدنك فقد زلزلت الأرض زلزالها وإذا انفصلت العظام من اللحوم فقد حملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فإذا رمت العظام فقد نسفت الجبال نسفا فإذا أظلم قلبك عند الموت فقد كورت الشمس تكويرا وإذا بطل سمعك وبصرك وسائر حواسك فقد انكدرت النجوم انكدارا فإذا انشق دماغك فقد انشقت السماء انشقاقا فإذا انفجر من هول الموت عرق جبينك فقد فجرت البحار تفجيرا وإذا التفت إحدى ساقيك بالأخرى وهما مطيتاك فقد حملت الأرض وهدت حتى ألقت ما فيها وتخلت ، وهذا تمثيل لأحوال هذه القيامة بتلك القيامة لأن معنى هذه الآيات هو هذا المذكور ، وأما كون الصبر نصف الإيمان فلأن الإيمان عن العقائد والأعمال ، والعمل لا يحصل إلّا بتوطين النفس على الطاعات وعلى ترك المنهيات ، وهذا هو الصبر ، وأما تعداد أسمائه فهو إن كان صبرا عن شهوة البطن والفرج سمي عفة ، وإن كان على احتمال مكروه سمي صبرا ، ويضاده حالة الجزع ، وإن كان في احتمال الغنى ، سمي ضبط النفس ، ويضاده حالة تسمى البطر ، وإن كان في حرب ومقاتلة سمي شجاعة ، ويضاده الجبن ، وإن كان في كظم الغيظ سمي حلما ، وإن كان في نائبة سمي سعة الصدر ، وإن كان في إخفاء كلام سمي كتمان السر ، وصاحبه كتوما ، وإن كان عن فضول العيش سمي زهدا ، ويضاده الحرص ، وإن كان صبرا على قدر يسير من الحظوظ سمي قناعة ، ويضاده الشره ، فأكثر أخلاق الإيمان داخلة في الصبر ، ولذلك لما سأل صلّى اللّه عليه واله وسلّم عن الإيمان قال : هو الصبر ، كما قال : الحج عرفة ، وقد جمع اللّه أقسام ذلك وسمى الكل صبرا فقال تعالى : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ أي المصيبة ( والضراء ) أي الفقر ( وَحِينَ الْبَأْسِ ) أي المحاربة أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ، وبعضهم ظن أن هؤلاء أحوال متخالفة في ذواتها وحقائقها ، وأما الأحوال التي يحتاج فيها إلى الصبر فمنها الطاعات ، والصبر عليها شديد لأن النفس تنفر عن العبودية وتشتهي الربوبية ، ولذلك قال بعض أهل التحقيق ما من نفس إلا وهي مضمرة ما أظهر فرعون من قوله ( أنا ربكم الأعلى ) ولكن فرعون وجد له مجالا وقولا فأظهر إذ استخف قومه فأطاعوه ، وما من واحد إلا وهو يدعي ذلك مع خادمه وعبده وأتباعه وكل من هو تحت قهره وإطاعته ،