السيد نعمة الله الجزائري

79

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ، كما ورد في بعض الأخبار ، وأكثر ما نقلنا في شرح هذه الفقرة من الأخبار وإن لم يفهم منه التضعيف صريحا ، لكنه معلوم الإرادة منها كما لا يخفى ، وقال بعض الأفاضل وأما حمل تبديل السيئة بالحسنة على الإحباط والتكفير كما ذهب إليه جماعة من المعتزلة ففاسد لأن الإحباط باطل ، انتهى . أقول يجوز أن يكون إشارة إلى الإحباط ، وأما قول هذا الفاضل إنه باطل فباطل ، وقبل الخوض في إثباته لا بد من تعريفه ، فأكثر المعتزلة على أن معناه إسقاط الثواب المتقدم بالمعصية المتأخرة ، وتكفير الذنوب المتقدمة بالطاعات المتأخرة ، والجبائي على أن المتأخر يسقط المتقدم ويبقى هو على حاله ، وقال أبو هاشم : الإحباط الموازنة وهو أنه ينتفي الأقل بالأكثر وينتفي من الأكثر بالأقل وساواه ويبقى الزائد مستحقا وإن تساويا صار كأن لم يكن ، إذا عرفت فنقول لا ريب أن الإحباط بالمعنى الأول والثاني باطل على قواعد العدلية ، وأما بالمعنى الثالث فلا ينبغي أن يرتاب في صحته لدلالة الآيات والأخبار عليه ، وكان أصحابنا المتأخرين تابعوا المحقق الطوسي في هذا فإنه قد نفاه مطلقا ، استدلالا بقوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ونظائرها من الآيات والأخبار ، وأنت عند التأمل ترى طباق هذه الآيات مع تلك ، فإن رؤية ما عمل لا ينافي الإحباط بذلك المعنى لتحققها معه ، لأنه يرى خير ما عمل حيث أنه دفع عنه جزاء من العذاب الذي استحقه بفعل المعاصي ، ويرى شر ما عمل حيث أنه منعه عن الترقي إلى درجات الصالحين ومجاورة المقربين ، وأما فائدة وضع الموازين ووزن أعمال الصالحين والفاسقين ، فلعل من فوائده اطلاعهم على كمية أعمالهم وكيفياتها حتى لا يظن أحد الظلم على ذلك الجناب ، وبعدما يرون الأعمال بأعينهم يعاملهم بالإحباط بما قلناه ، وقد استدلوا على بطلان الإحباط بدلائل عقلية أبطلناها في شرحنا الكبير ، ولعمري إن جل ما حداهم على هذا ما استفاض بينهم من أنه إذا تعارض الدليلان العقلي والنقلي وجب تأويل الثاني أو طرحه إن لم يمكن التأويل ، وقد ضقت بهذه المسألة ذرعا حتى ظهر لي بفضل اللّه أن هذا لا يتمشى إلا فيما إذا كانت مقدماته بديهية ، أو ما إذا كانت مقدماته مأخوذة من الدليل النقلي ، أما في غيرهما فلا ينبغي لعاقل فضلا عن فاضل أن يرتاب في بطلان ما اشتهر ، بل يجب عليه أن يجزم بعكسه لأنها عند التحقيق لا تفيد