السيد نعمة الله الجزائري
77
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
فيلحقها كلها بالمؤمن أفترى ههنا ظلما وعدوانا ، فقلت يا بن رسول اللّه ما أعجب هذا تؤخذ حسنات أعدائكم فترد على شيعتكم وتؤخذ سيئات محبيكم فترد على مبغضيكم ، قال إي واللّه الذي لا إله إلّا هو فالق الحبة وبارىء النسمة وفاطر الأرض والسماء ما أخبرتك إلا بالحق وما أنبأتك إلّا بالصدق ، وما ظلمهم اللّه وما اللّه بظلام للعبيد ، وإن ما أخبرتك موجود في القرآن كله ، قلت هذا بعينه يوجد في القرآن ؟ قال نعم يوجد في أكثر من ثلاثين موضعا في القرآن ، أفتحب أن أقرأ ذلك عليك ، قلت بلى يا بن رسول اللّه ، فقال : قال اللّه عز وجل : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ، ألا أزيدك يا إبراهيم ، قلت بلى يا بن رسول اللّه ، قال : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ، ألا أزيدك ؟ قلت بلى يا بن رسول اللّه ، قال : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ، يبدل اللّه سيئات شيعتنا حسنات ويبدل اللّه حسنات أعدائنا سيئات ، يا أبا إسحق ولا تطلع على سرنا أحدا إلا مؤمنا مستبصرا ، فإنك إذا أذعت سرنا بليت في نفسك وأهلك ومالك وولدك . والإشكال على هذا الحديث وأضرابه من أحاديث الطينة مشهور ، لأن الأعمال إذا كانت بمقتضى المادة ساغ للناصبي أن يقول لو جعلت طينتي مثل طينة المؤمن لكنت أنا وهو سواء ، وقد تصدى أصحابنا للقول فيها فقال علم الهدى ( قده ) إنها أخبار آحاد مردودة لا تصلح لإثبات هذه المطالب الجليلة ، وآخرون صاروا إلى حملها على المجاز ، يعني لما اتصف المؤمنون بحب أهل البيت وودادهم فكأن طينتهم خلقت من عليين ، والنواصب بالعكس ، وبعضهم قالوا إنها أخبار متشابهة يجب تسليم القول فيها إليهم عليهم السّلام . وأما الجواب المشهور فهو أنه سبحانه لما علم أنهم سيصير حالهم بعد التكليف إلى النصب والعداوة لأهل البيت عليهم السّلام ، فلذلك خلقهم من الطينة المالحة المنتنة ، وقد علم من المؤمنين عكس ما علم من هؤلاء فلذلك خلقهم من تلك الطينة المباركة ، والعلم ليس علة للمعلوم بل العلم تابع له وهو كاشف عنه ، وعندي أن هذه الأجوبة كلها لا تحسم مادة النزاع بحيث تدحض حجة الخصم واعتراضه ، بل الجواب الصواب هو أن يقال أنه قد استفاض بل تواتر أن اللّه تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بأربعين ألف عام ، أو اثني عشر ألف عام ، أو ألفين عام ، على اختلاف الروايات ، وبعد أن