السيد نعمة الله الجزائري

58

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

بقي الكلام في اللعن على أعدائهم ، فقيل أيضا لا يزيد في عذابهم والحق خلافه بالتقريب المذكور ، وأما ما يترائى من منافاته لقاعدة العدل لأنه كيف يكون فعل شخص سببا لزيادة عذاب غيره مع أنه لا اختيار له فيه ، فالجواب عنه من وجهين : الأول : إنه تعالى قرر لهم عذابين عذابا بإزاء أفعالهم وآخر بإزاء لعن اللاعنين ، وأسمعهم إن هم فعلوا ذلك الفعل القبيح أن يعذبهم بهما ، وبعد هذا فأين الظلم . الثاني : إن لعنهم من باب شكاية المظلوم من ظالمه ، فإنهم ظلموا جميع المسلمين لأن منهم قد ثارت الفتن أولا ، ومنهم استتر الإمام العدل وبقي الناس في ظلم الجهالة ، فهم قد ظلمونا معاشر المسلمين ولعمري إن ظلمهم علينا أشد من ظلمهم على أهل البيت عليهم السّلام ، لأن فوائدهم كانت تصل إلينا ، وإني كلما أشكلت علي مسألة أوجبت على نفسي لعنهم والبراءة منهم ، لأنهم سبب في استتار الحجة بل وفي كل فساد وقع ، وفي الخبر أن القائم عليه السّلام إذا ظهر يحييهم ويلزمهم بكل ذنب وفساد وقع في الدنيا حتى قتل قابيل هابيل ورمي أخوة يوسف عليه السّلام له في الجب ورمي إبراهيم في النار وسائر ما وقع ، ولذا روي عن الصادق عليه السّلام أنه ما أزيل حجر عن موضعه ولا أريقت محجمة دم إلا وهو في أعناقهما ، يعني الخليفة الأول والثاني ، وقد روى جابر عن أبي جعفر عليه السّلام ، قال سمعته يقول : إن من وراء شمسكم هذه أربعين عين شمس ، ما بين شمس إلى شمس أربعون عاما فيها خلق كثير ، ما يعلمون أن اللّه خلق آدم أو لم يخلقه ، وإن من وراء قمركم هذا أربعين قمرا ، ما بين قمر إلى قمر مسيرة أربعين يوما ، فيها خلق كثير ، ما يعلمون أن اللّه خلق آدم أو لم يخلقه ، قد ألهموا كما ألهمت النحل لعن الخليفة الأول والثاني في كل وقت من الأوقات ، وقد وكل بهم ملائكة متى ما لم يلعنوهما عذبوا ، وفي تفسير العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنه قال : إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس في سبعين غلا وسبعين كبلا ، فينظر الأول إلى زفر في عشرين ومائة كبل وعشرين ومائة غل ، فينظر إبليس فيقول من هذا الذي أضعف اللّه له العذاب وأنا أغويت هذا والخلق جميعا ، فيقال هذا زفر ببغيه على علي عليه السّلام ، فيقول له إبليس ويل لك وثبور لك ، أما علمت أن اللّه أمرني بالسجود لآدم فعصيته وسألته أن يجعل لي سلطانا على محمد وأهل بيته وشيعته فلم يجبني إلى ذلك وقال : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ وأما ما يقع من الشيعة من الأعمال القبيحة فليس بداخل في التسلط ، لما رواه الصدوق