السيد نعمة الله الجزائري

368

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

« ورازق لا معين له » الرازق الذي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إليهم وخلق لهم أسباب التمتع بها ، والرزق رزقان ظاهر وهو الأطعمة والأقوات وذلك للظواهر وهي الأبدان ، وباطن وهي العلوم والمعارف والإلهامات وذلك رزق القلوب وهذا أشرف الرزقين فإن ثمرته حياة الأبد وثمرة الرزق الظاهرة في الجسد إلى مدة قريبة الأمد ، واللّه سبحانه هو المتولي الخلق الرزقين والمتفضل بإيصالهما إلى كل الفريقين ، فينبغي أن لا يتوكل في الرزق إلا عليه ، قال رجل لحاتم الأصم من أين تأكل قال من خزائنه قال يلقي عليك الخبز من السماء قال لو لم تكن الأرض له لكان يلقيه من السماء ، وهذان النوعان من الرزق في الجنة أيضا فإنه عز شأنه لما حكى لنا ما فيها من الثمار والأزواج والولدان واللذات الحسية قال ورضوان من اللّه أكبر ، فالرضوان رزق القلوب فمن ثم صار أعظم الرزقين لمكان القلب وأشرفيته على بقية الأعضاء ، وفي الخبر أنه جاء رجل إلى الصادق عليه السّلام وشكا إليه الحاجة وذكر له واحدا من الناس ذا ثروة كثيرة فقال عليه السّلام اعطه علمك وخذ ماله وجهله فقال لا أرضى فقال عليه السّلام إن اللّه رزقك أفضل الرزقين فكيف تشكو قلة الرزق . وأما قول الشاعر . كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه * وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة * وصير العالم النحرير زنديقا فهو خيال شعري لا معول عليه لأن توفير الرزقين على واحد ربما يخل بالنظام الأعظم . « والأوّل بلا زوال » الأول الذي انتهت إليه سلسلة الموجودات في إيجادها وأما هو فموجود بذاته . « والدّائم بلا فناء » أي الدائم في صفاته وهو الباقي الذي لا يبيد ولا يفنى وهو كالتأكيد لسابقه . « والقائم بلا عناء » يجوز أن يريد بالقائم معنى الدائم الباقي ويجوز أن يريد به القائم بأمور العالم ، وللمفسرين على هذا الوجه أقوال ، أحدها عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه كونه عالما بالخلق أينما كانوا وضابطا لأحوالهم ، الثاني قيامه بتوكيله الحفظة عليهم وهو المشار إليه بقوله تعالى : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ، الثاني القائم