السيد نعمة الله الجزائري

361

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

هي المدبرة ، والقائلون بتصادم الأجزاء في الخلاء الذي لا نهاية له حتى حصل منها هذا العالم ، والقائلون بأن أصل العالم وأساس بنيته هو النور والظلمة ، والقائلون بأن مبادئ العالم هي الأعداد المجردة ، والقائلون بالهيولى القديمة التي منها حدث العالم ، والقائلون بعشق النفس الهيولي حتى تكونت منها هذه الأجسام فكل هؤلاء أثبتوا الصانع وإنما اختلفوا في ماهيته وكيفية فعله ، نعم وضع جماعة من الوراقين مقالة لم يذهب أحد إليها وهي أن العالم قديم لم يزل على هيئته هذه ولا إله للعالم ولا صانع أصلا وإنما هو هكذا ما زال ولم يزل من غير صانع ، وهؤلاء هم المعطلة الدهرية المراد من قوله تعالى حكاية عنهم : وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ، ومنها أن المراد من المعرفة الموهبية المقدمات النظرية وأسبابها الموصلة إليها بأدنى التفات . وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد ومنها أن المفيض للمعارف بعد ترتيب المقدمات هو عز شأنه ، فتكون المعرفة كأنها منه إذ لم يكن من العبد إلا تحصيل الأوليات . بقي الكلام في بيان انكشافه تعالى وحاصله أنه أراد انكشاف وجوده لأبصار عباده في جزئيات آثاره ، كما قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ، وإن كانت مشاهدة الخلق له على مراتب متفاوتة ودرجات متصاعدة ، كما قاله بعض المحققين حاكيا له عن بعض أهل العرفان قال ما رأينا شيئا إلا ورأينا اللّه بعده ، فلما ترقوا عن تلك المرتبة درجة من المشاهدة والحضور قالوا ما رأينا شيئا إلا ورأينا اللّه فيه ، فلما ترقوا قالوا ما رأينا شيئا إلا ورأينا اللّه قبله ، فلما ترقوا قالوا ما رأينا شيئا سوى اللّه ، والأولى مرتبة الفكر والاستدلال عليه والثانية مرتبة الحدس ، والثالثة مرتبة المستدلين به لا عليه ، والرابعة مرتبة الفناء في ساحة عزه ، واعتبار الوحدة المطلقة محذوفا عنها كل لاحق ، وهذا الظهور لا يكون لشيء من الممكنات . « واحتجب عن الأبصار بالعزّة » الأبصار جمع بصيرة والمراد منها العقول ، أو جمع بصر وهو العيون لأنه عز شأنه احتجب عن العقول والأبصار ، ولكن لا كحجاب الملوك والسلاطين يحتجبون بإرخاء الستور وتغليق الأبواب عن كل أحد ، بل احتجابه عن أبصار خلقه وبصائرهم إنما هو بالعزة ، وهي كما عرفت عبارة عن صعوبة الوصول إليه وعدم إمكان الاطلاع