السيد نعمة الله الجزائري

359

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

أكثر الخلق كمالا . لأن الخلق أولا نظروا إلى أنفسهم وعرفوا صفاتهم وأدركوا انقسامها إلى ما هو كمال ولكن في حقهم مثل علمهم وقدرتهم وسمعهم وبصرهم واختيارهم ووضعوا هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني وقال إن هذه أسماء الكمال ، ونظروا إلى ما هو نقص في حقهم مثل جهلهم وفخرهم وعماهم وصممهم وخرسهم فوضعوا بإزاء هذه المعاني هذه الألفاظ ، ثم كانت غايتهم في الثناء عليه تعالى شأنه أن وصفوه بما هي أوصاف كمالهم كما أنهم نزهوه عن صفات بعضهم ، بل كل صفة تتصور للخلق فهو يتقدس عنها وعما يشبهها ويماثلها ولولا ورود الرخصة والإذن بإطلاقها لم يجز إطلاق أكثرها عليه . « سبحانك اللّهمّ وبحمدك » أي أنزهك عما لا يليق بجناب قدسك وعز جلالك ، والواو في « وبحمدك » إما حالية أو عاطفة والتقدير وأنا متلبس بحمدك على التوفيق لتنزيهك والتأهيل لطاعتك ، كأنه لما أسند التسبيح إلى نفسه أوهم ذلك تبجحا فعقب بهذه الجملة الحالية ليزول على قياس ما قيل في إياك نعبد وإياك نستعين . دعاء وتمجيد له عليه السلام « الحمد للّه الّذي تجلّى للقلوب بالعظمة » التمجيد تعظيمه سبحانه بصفات الحمد ، والمجد في كلام العرب الشرف الواسع ورحل ماجد كثير الخير شريف والمجيد فعيل منه للمبالغة ، وقال الغزالي إذا قارن شرف الذات حسن الفعال سمي مجيدا وهو الماجد أيضا وفعيل أبلغ من فاعل فكأنه يجمع معنى الجليل والوهاب والكريم ، وحاصل معنى التمجيد تعظيم الباري جل شأنه بصفاته الذاتية والثناء عليه بأفعاله ، ومقام التمجيد كما سبق تحقيقه في أدعية الصحيفة ، وقوله تجلى للقلوب أي انكشف لها لكن لا بحقيقته وكنهه بل بعظمته وآثار جبروته ، ويكون المتجلي للقلوب حقيقة منه إنما هو صفات العظمة والسلطان فانتقلت القلوب والعقول من آثار عظمته إلى توحيده وتنزيهه عن مشابهة الممكنات ، فالباء للسببية ويجوز أن يكون للمصاحبة ويكون حاصل المعنى أنه جل شأنه انكشف للقلوب مصاحبا للعظمة والجبروت ليس على حد انكشاف الملوك والسلاطين فإن العظمة