السيد نعمة الله الجزائري
213
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
وأما أنا فقد رفعت عني الحجب الظلمانية والقوى الشهوانية والموانع الحسية والقوى الوهمانية فنظرت إليه بعين قلب المحبة فوجدته راضيا غير غاضب ومحبا غير كاره كما قال تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فارتفع عني الوجل وعلاني التبلج الشعشعاني . الثانية : السهر والقلق وكيف ينام من خلا بمعشوقه في غسق الظلام وهدأت عنه أعين الرقباء واللوام كما قال يا موسى كذب من زعم أنه يحبني وهو ينام طوال ليله ، أليس كل محب يحب الخلوة مع حبيبه ، يا بن عمران لو رأيت الذين يصلون لي في الدجى وقد مثلت نفسي بين أعينهم يخاطبوني وقد جللت عن المشاهدة ويكلموني وقد عززت عن الحضور ، يا بن عمران هب لي من عينيك الدموع ومن قلبك الخشوع ومن بدنك الخضوع ثم ادعني في ظلم الليالي تجدني قريبا مجيبا . العلامة الثالثة : البكاء والحنين لالتهاب نار الشوق والفراق ولذا كانوا يأنسون بالموت لأنه المانع من الاتصال كما قال عليه السّلام واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه ، وكان يقول لابنه الحسن يا بني لا يبالي أبوك أوقع على الموت أم وقع الموت عليه ، ولما ادعى اليهود أنهم أحباء اللّه خاطبهم بقوله : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * . الرابعة : ما يظهر على الجوارح والأعضاء من الأعمال المرضية المنبئة عن المحبة المخبية فإن المحبة نار كامنة إن وقعت في جسم طيب الرائحة كالعود والبخور فاحت منه الرائحة الطيبة وإن وقعت في غيره من الأجسام [ كالخزف ] « 1 » ونحوه فاحت منه الرائحة المنتنة ، وقد تشم تلك الروائح مع خفاء النار بل لا يستدل على وجود النار غالبا إلا بتلك الرائحة ، فمن ادعى حبا وقد ظهر على ظواهره غيره فهو كاذب على لسان الصادقين عليهم السّلام ، إذا تحققت هذا كله فلنعد إلى ما نحن بصدده فنقول ، قوله عليه السّلام وفرغ قلبي لمحبتك يجوز أن يكون المراد به الفراغ من الهموم والأحزان والتشاغل ، ويجوز أن يراد به محبة غيره تعالى مما يضاد محبته فإن المتضادين لا يجتمعان في محل واحد وذلك لأن هذا البدن الحقير بمنزلة بلد عظيم وحصنه القلب وسائر الأعضاء والجوارح كالعساكر والجنود تابعة لسلطان ذلك الحصن فكل من دخله كانت تلك الجنود جارية على أوامره ونواهيه ، ويؤيده ما روي عن الصادق عليه السّلام
--> ( 1 ) في الأصل : كالحزن ، وربما ما ذكرناه الأصح .