السيد نعمة الله الجزائري
173
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
اللّه وما يبكيك وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال أفلا أكون عبدا شكورا ولم لا أفعل وقد أنزل اللّه عليّ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ * الآية ، وهذا يدل على أن البكاء لا ينقطع أبدا ، روي أنه مر بعض الأنبياء بحجر صغير يخرج منه ماء كثير فتعجب فأنطقه اللّه تعالى فقال منذ سمعت قوله تعالى : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ * وأنا أبكي من خوفه فسأله أن يجيره من النار فأجاره ثم رآه بعد مدة مثل ذلك فقال لم تبكي الآن ؟ فقال ذاك بكاء الخوف وهذا بكاء الشكر والسرور ، وروي أن داود عليه السّلام بكى أربعين يوما ساجدا لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموعه حتى غطى رأسه ، فنودي يا داود أجائع أنت فتطعم أم ظمآن فتسقى أم عار فتكسى فنحب نحبة هاج لها العود فاحترق من حر جوفه ، ثم أنزل اللّه التوبة والمغفرة ، فقال يا رب اجعل خطيئتي في كفي ، فصارت خطيئته في يده مكتوبة ، وكان لا يبسط كفه لطعام ولا لشراب ولا لغيرهما إلا رآها فأبكته . قال وكان يؤتى بالقدح ثلثاه ماء فإذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه على شفته حتى يفيض من دموعه ، وروي أنه ما رفع رأسه إلى السماء حتى مات حياء من اللّه تعالى ، وكان يقول في مناجاته إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليّ الأرض بما رحبت وإذا تذكرت رحمتك ارتدت إليّ روحي سبحانك إلهي أتيت أطباء عبادك ليداووا خطيئتي فكلهم يدلوني عليك فبؤسا للقانطين من رحمتك ، وكان إذا أراد أن ينوح مكث قبل ذلك سبعا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يقرب النساء فإذا كان قبل ذلك أخرج له منبر إلى البر فيأمر سليمان عليه السّلام ينادي بصوت يستقري البلاد وما حولها من الغياض والآكام والجبال والبراري والصوامع والبيع فينادي فيها ألا من أراد أن يسمع نوح داود فليأت قال فتأتي الوحوش من البراري والآكام وتأتي السباع من الغياض وتأتي الهوام من الجبال وتأتي الطير من الأوكار وتأتي العذارى من خدورهن وتجتمع الناس لذلك اليوم ويأتي داود عليه السّلام حتى يرقى المنبر ويحيط به بنو إسرائيل وكل صنف على حدته يحيطون به وسليمان عليه السّلام قائم على رأسه فيأخذ في الثناء على ربه فيضجون بالبكاء والصراخ ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار فيموت الهوام وطائفة من الوحوش والسباع والناس ثم يأخذ في أهوال القيامة وفي النياحة على نفسه فيموت من كل نوع طائفة ، فإذا رأى سليمان كثرة الموتى قال يا أبتاه قد مزقت المستمعين كل ممزق وماتت طوائف من بني إسرائيل ومن الوحوش والهوام فيأخذ في الدعاء فبينا هو كذلك إذ ناداه بعض عباد بني إسرائيل يا داود عجلت بطلب الجزاء على ربك قال فخر