السيد نعمة الله الجزائري
145
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
المرتبة الأولى : أن يتوب العاصي ويستقيم على التوبة إلى آخر عمره فيتدارك ما فرط من أمره ولا يحدث نفسه بالعود إلى ذنوبه إلّا الزلات التي لا ينفك عنها البشر في العادات لمن لم يكن في مرتبة العصمة واسم هذه المرتبة التوبة النصوح ، واسم هذه النفس المطمئنة التي ترجع إلى ربها راضية مرضية ، وهؤلاء هم الذين إليهم الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه واله وسلّم : سبق المقربون المستهترون بذكر اللّه عز وجل ، وضع الذكر أوزارهم فوردوا القيامة خفافا ، وأصل هذه الطبقة على ريب من حيث النزوع إلى الشهوات فمن تاب سكنت شهوته تحت قهر المعرفة وإلى ما لا ينفك عن منازعة النفس ، لكنه بلي بمجاهدتها ثم تتفاوت درجات النزاع أيضا بالكثرة والقلة باختلاف المدة واختلاف الأنواع . المرتبة الثانية : تائب سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وكبائر الفواحش إلا أنه لا ينفك عن ذنوب تعتريه لا عن عمد وقصد ولكن يبتلي به في مجاري العادات وكلما فعل ذنبا لام نفسه وندم على فعله وجدد عزمه على أن لا يفعل ، وهذه النفس هي اللوامة إذ تلوم صاحبها على تلك الأفعال الذميمة ، وهذه رتبة عالية وإن كانت أدون من الأولى ، لأن الشر معجون في طينة ابن آدم فإنه سبحانه قد أثنى عليهم حيث يقول : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ، وقوله صلّى اللّه عليه واله وسلّم خيركم كل مفتتن تواب . المرتبة الثالثة : أن يتوب ويستمر عليها مدة ثم تغلبه الشهوة في بعض الذنوب فيقدم عليها ( عن ) « 1 » قصد وصدق شهوة إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات وتارك جملة من الذنوب مع القدرة والشهوة ، وإنما قهره هذه الشهوة الواحدة أو الشهوات وهو يحب أن يوافقه اللّه للارتداع عنها ، وكلما واقع ذلك الفعل أراد من اللّه التوبة ويسوف التوبة والنفس في هذه المرتبة تسمى المسولة وصاحبها مندرج تحت قوله تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ، فعسى اللّه أن يتوب عليه بتلك الطاعات وللندم على المعاصي ، وهو في خطر من تسويفه التوبة ، ولعل المنية تفجأه ، قال صلّى اللّه عليه واله وسلّم إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة حتى يقول الناس إنه من أهلها ولا يبقى بينه وبينها إلّا شهر ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، فإذن الخوف من الخاتمة قبل التوبة .
--> ( 1 ) في الأصل : من .