السيد نعمة الله الجزائري

134

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

الذنب وهو مصر عليه كالمستهزىء بآيات اللّه ، وكان بعضهم يقول استغفر اللّه من قولي ، وقيل الاستغفار باللسان توبة للكذابين ، وقالت رابعة العدوية استغفارنا يحتاج إلى استغفار ، قلنا إن الاستغفار مما حث عليه في الكتاب والسنة حتى قرنه سبحانه ببقاء رسوله صلّى اللّه عليه واله وسلّم فقال : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، وكان بعض الصحابة يقول : لنا أمانان ذهب أحدهما وبقي الآخر فإن ذهب هلكنا ، إذا عرفت هذا قلنا : إن الاستغفار الذي هو توبة الكذابين هو الاستغفار بمجرد اللسان كما يقول الإنسان بحكم العادة استغفر اللّه وليس له فائدة إلا إذا أضيف إليه تضرع القلب ، فيحمل عليه الأخبار الواردة في فضل الاستغفار ، بل الاستغفار بمجرد اللسان حسنة أيضا ، إذ هو خير من السكوت والتكلم بغيبة ونحوها ، نعم هو بالنسبة إلى عقد القلب بالاستغفار ناقص ، وأما بالنسبة إلى ما قلناه فهو درجة خير ، وأقله تعود اللسان بالخير حتى يجري على لسانه في المحاورات والمخاطبات وعند التعجبات فإن اللسان على ما عوّد . بقي الكلام في موجبات الإصرار ومزيلاته ، إعلم أن موجباته أربعة : الأول : إن العقاب الموعود غائب ليس بحاضر ، والنفس جبلت على عدم التأثر بالآجل وهذا لا يكون إلّا من ضعف الإيمان . الثاني : إن اللذات الباغتة على الذنوب لذاتها ناجزة وهي في الحال آخذة بالمخنق ، وقد قوي واستولى بسبب الاعتياد ، والعادة طبيعة خامسة والنزوع عن العاجل إلى الآجل شديد على النفس ولذلك قال تعالى : بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ . وروي أن اللّه تعالى خلق النار فقال لجبرئيل إذهب فانظر إليها ، فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فحفها بالشهوات ثم قال إذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال وعزتك خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها ، وخلق الجنة فقال لجبرئيل اذهب فانظر إليها فنظر إليها فقال وعزّتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ثم حفّها بالمكاره فقال لجبرئيل اذهب فانظر إليها فنظر إليها فقال وعزّتك خشيت أن لا يدخلها أحد ، فإذا كون الشهوة مرهقة في الحال وكون العقاب متأخرا سببان في الاسترسال . الثالث : إنه ما من مؤمن مذنب إلا والغالب على عزمه التوبة وتكفير السيئات بالحسنات وطول الأمل غالب على الطباع ، فلا يزال يسوف التوبة والتكفير ، فمن حيث رجائه توفيق التوبة وبما يقدم عليه بعد الإيمان .