السيد نعمة الله الجزائري

102

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

محرك القلب والشهوة وهذا يحصل بالاحتراز عن مظان وقوع البصر على الصور المشتهاة ، قال صلّى اللّه عليه واله وسلّم النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ، يسدده الملعون ولا ترس يمنع منه إلّا تغميض الأجفان أو الهرب من صوب رميه ، ومنها تسلية النفس بالمباح من الجنس الذي يشتهيه ، وذلك بالنكاح ، فإن كل ما يشتهيه الطبع ففيه ما يغني عن المحرمات ، ولذا قال صلّى اللّه عليه واله وسلّم عليكم بالباه فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء ، فهذه ثلاث علاجات فالأول منها قطع العلف عن الدابة الجموح فتسقط قوتها ، والثاني يضاهي تغييب الشعير عنها حتى لا تتحرك بواطنها بسبب مشاهدته ، والثالث يضاهي تسكينها بشيء قليل مما يميل إليه الطباع ، حتى يبقى معه من القوة ما يصبر معه على التأديب ، وإن أراد إضافة التقوية فهنا أمران : أحدهما اطماعه في فوائد المجاهدة وثمراتها في الدين والدنيا ، وذلك بأن يكثر فكره في حسن عواقب الصبر وفيما وعد اللّه الصابرين ، وثانيهما أن يعوّد النفس مصارعة الشهوات والغلبة تدريجا قليلا قليلا حتى يدرك لذة الظفر فتجري عليها ، فإن الممارسة للأعمال الشاقة تؤكد القوى ، ولذلك تزيد قوة الحمالين والفلاحين . فالفلاح الأول يضاهي أطماع المصارع في الخلعة عند الغلبة كما وعد فرعون سحرته بقوله إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ . والثاني يضاهي تعويد الصبي الذي يراد منه المصارعة مباشرة أسباب ذلك في مبدأ الصبا حتى أنس به ، وصاحب هذه المقامات يحتاج إلى فراغ بال حتى يتعرض لقوله صلّى اللّه عليه واله وسلّم للّه تعالى في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها ، وذلك لأن تلك النفحات لها أسباب سماوية ، وقال سبحانه : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ، والأمور السماوية غائبة عنا فلا ندري متى ييسر اللّه تعالى أسباب الرزق فما علينا إلّا تفريغ المحل والانتظار لنزول الرحمة ، كالذي يصلح الأرض وينقيه من الحشيش وينبت البذور وكل ذلك لا ينفعه إلا بالمطر ولا يعلم متى يكون إلا أنه يثق بفضل اللّه أنه لا يخلو سنة عن مطر ، فكذلك لا يخلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات ونفحة من النفحات ، فينبغي للعبد أن يطهر القلب من حشيش الشهوات ، ويبذر فيه بذور الإخلاص ويتعرض لمهابّ رياح الرحمة ، وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع وعند ظهور الغيم : فكذا يقوى انتظار النفحات في الأوقات الشريفة وعند اجتماع