حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

96

التمييز

وهذا هو علم الهدى المقصود عند السلف . وكان الصّحابة والتابعون لهم باحسان يشفقون من فقد ذلك ويخافون عدمه ويخبرون عن رفعه وقلّته في آخر الزمان ، فلأجل معرفة الصّحابة والتابعين بعزّ ذلك كانوا يبكون على فقده . العلم عمارة القلوب ، والعمل كفّارة الذنوب ، العلم أفضل خلف ، والعمل به أكبر شرف ، من تمام العلم استعماله ، ومن تمام العمل استقلاله ، من استعمل علمه لم يخل من رشاد ، ومن استقل عمله لم يقصر عن مزاد ، غرور المرء بعلمه جهالة ، وبعقله حماقة ، وبماله سفاهة ، وبطاعته عصيان ، وبجاهه طغيان ، وبكماله نقصان ، ووضع العبادات لانجذاب القلوب عن الفانيات إلى الوجود الأعظم والباقي الأقدم ولا يكون إلّا بعمل خالص هو سبب توجيه القلب إليه بترك / 32 أ / الاشتغال عمّا سواه ، وحقيقة الحسنات هي الكمالات الباطنة ، وأعظم نعم اللّه على عباده تعريفه ايّاهم أنفسهم . وقال حكيم : لا ارحم أحدا كرحمتي لأحد رجلين ؛ رجل يطلب العلم ولا يفهم ، ورجل يفهم ولا يطلب ، وقال بعضهم ، شعر ( السريع ) كن من أولي العلم وكن خاملا وارض بما قدّره الخالق لأن يقولوا عالم كاسد ولا يقولوا جاهل نافق وقالوا على المعلم أن يتفقد أحوال من يتعلم منه فلا يبذل علمه إلّا لمن يتوسّم فيه الخير والصّلاح إذ بذلك يستقيم له النيّات والمقاصد . بذل العلم إلى أهله طاعة وإلى غير أهله إضاعة . وفي قوله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ « 1 » ، تنبيه على أن صيانة العلم ممن يفسده ويستنصر به أولى ، والعلم أصون شيء لنفسه أن يتصدى الا لعاشق له ، [ وقال حكيم في منظومة له ] « 2 » ، شعر ( المنسرح ) ومن حوى العلم ثم أودعه غير محبّ له فقد ظلمه

--> ( 1 ) سورة النساء : آية ( 5 ) . ( 2 ) زيادة من باقي النسخ .