حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

94

التمييز

مأمور به ومسؤول عنه من مراقبة ربّه واصلاح نفسه وقلبه فله في ذلك شغل شاغل عما يفرق همّه ويقسّي قلبه وينسيه ذكر ربّه . وكان الحسن رضي اللّه عنه يقول : اجعل نفسك في شغل قبل أن تشغلك فإن شغلتها بالحقّ وإلّا شغلتك بالباطل . وقد أخذ اللّه العهد على العلماء أن يعلّموا بقوله تعالى لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ « 1 » . وأمر الجهّال ان يسألوا فقال سبحانه : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 2 » . السؤال ابدأ من حيث الشعور يكون والجواب من حيث العلم ، فمن شعر سأل ومن علم أجاب ، الشعور ينبئ عن الإجمال والعلم ينبئ عن التفصيل وله إلى كلّ مرآة وجه ، وإلى كلّ وجه مرآة . ومن أوتي الحكمة وفصل الخطاب ومكّن عند السؤال من الجواب فيما سئل فيه فقد أوتي خيرا كثيرا . وقد أثنى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم على من قبل العلم وعمل به وعلّمه وذمّ نقيض ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام : « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل غيث أصابت أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه به النّاس فشربوا منها وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة انما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فكذلك من فقه في دين اللّه ونفعه اللّه بما بعثني به / 31 أ / فعلم وعمل وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا مثل القيعان التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ » « 3 » . وقال لقمان : الرّجل الذي يكتم جهله خير من الرجل الذي يكتم حكمته . وقال اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ « 4 » ، فقد يكون لما يعطى من العلم المظهر للحق الدافع للباطل فهو جهاد معنوي محسوس ، فكونه معنويا لان الباطن يقبله ، فإنّ العلم متعلقه النفس ، وأما كونه محسوسا فما يتعلق به من العبارة باللّسان أو الكتابة فيحصل للسامع أو الناظر بطريق السّمع من المتكلّم أو بطريق النظر من الكتابة وجهاد العدو نصرة محسوسة ما هي معنوية ، فأنّه ما نال العدوّ

--> ( 1 ) سورة آل عمران : آية ( 187 ) . ( 2 ) سورة الأنبياء : آية ( 7 ) . ( 3 ) سنن ابن ماجة 1 / 88 . ( 4 ) سورة الصف : آية ( 14 ) .