حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
70
التمييز
فيشوشا على العقل فلا يدرك الأشياء كما هي . ولذا إن العقلاء يعرفون مسالة من المسائل بنظرهم الفكري ويقرّون عليها زمانا طويلا ، ثم يبدلهم خلافها ، فيرجعون بعد سنين وحينئذ الاعتماد على اشتغال العقل بالنظر الفكري حجاب يحجب القلب عن مصيره خاليا عن الأوهام الباطلة لينكشف له الأمر على ما هو عليه . والعقل له جهتان في الادراك ؛ أحدهما الفكر والنظر ، والآخر الكشف التصفية ، وإدراك العقل بطريق الكشف أتمّ وابعد عن الخطأ ، ولا يكون ذلك إلّا بقوة التصفية / 17 ب / ، واتباع الأنبياء وتقليده إياهم حتى يتجلى له الامر ويسلم عقله من الكدورات ويدرك الأمر كما هو ، لأنّ الأنبياء مؤيدون من عند اللّه يعرفون طريق الحق ، فالنّظر الفكري الخالي من التصفية حجاب وغواية . إياك والاعتماد على سوانح العقول إن لم يكن تعتضدها « 1 » بلوائح المنقول . وقال حكيم : العقل نار والعلم نور فمن تبع العقل يحرق ومن اقتدى بالعلم يهتدى . وأمّا ضعف الفكرة في العلوم لا يقال له حمق بل بلادة ، وكذلك في جميع الأشياء العلمية . وإنّ أخلاق النفس تابعة لمزاج البدن ، فمتى كان البدن معتدلا بين الجوع والشّبع والنّوم واليقظة ، كانت النّفس نشيطة راغبة في الخيرات ، ومتى حصل افراط وتفريط ، كانت النّفس منحرفة بحسبه ولهذا أشار النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « أنا أنام وأقوم وأصوم وأفطر . . . الحديث » « 2 » ، وروي أن الأحنف « 3 » كان يقول : أكرموا سفهاءكم فانّهم يكفونكم النّار والعار « 4 » . وأنّ عمر رضي اللّه عنه كان جالسا فجاء رجل وتكلّم بكلام فيه غلظة فقام شاب فمسك الرّجل وضرب به الأرض ، فقال عمر : ذلّ من ليس في قومه سفيه ، شعر ( السريع ) صاحب أخ الشرّ لتسطو به يوما على بعض صروف الزمان
--> ( 1 ) جاءت في الأصل : تعضدها والتصحيح من النسخ الأخرى وفي داماد إبراهيم 945 : تعضده . ( 2 ) رواه أحمد بن حنبل في مسنده 5 / 409 . ( 3 ) اسمه الضحاك بن قيس بن معاوية التميمي ( ت 72 ه / 691 م ) ويكنى الأحنف ، أحد الدهاة الفصحاء الشجعان الفاتحين ، يضرب به المثل في الحلم ، ولي خراسان ، وتوفي بالكوفة . طبقات ابن سعد 7 / 66 - 96 ؛ تهذيب تاريخ ابن عساكر 7 / 13 - 27 ؛ وفيات الأعيان 2 / 499 - 506 . ( 4 ) انظر وفيات الأعيان 2 / 505 .