حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
50
التمييز
الحاضرة وايثارها من غير فكرة ولا روية في عاقبة ، لكن يحثّان ويعجّلان إليها وإن كانت جالبة للألم ومانعة من اللذّة « 1 » فيما بعد ، إذ لا يريا إلّا حالهما في وقتهما . وأما التثبت والنّظر في عواقب الأمور والحالات وتمييز عاجل نفعه وضرر عاقبته ووزن ما بينهما وعرفان ما يلحقه من الألم وما يناله من اللّذة واتّباع الأرجح من عوائد العقل السليم . والرأي القويم وهو ميزان العدل وبيان الفضل وشرع الكرم ومعدن الحلم ، وعمود الفكر ولسان الذكر وترجمان السّر ودليل الفهم . وكان لقمان يقول : لكلّ خراب عمارة وعمارة الآخرة العقل . والعقل قوة وغريزة أودعها اللّه في الإنسان ليتميز عن الحيوان بادراك الأمور النّظرية ، وقيل إنّه نور يقذف في القلب ليستعدّ به لادراك الأمور والعلوم العقلية ، واشتقاق من العقل بمعنى المنع ، ومنه العقال لمنعه الإنسان عمّا لا يليق ، وهذه القوّة تتفاوت بالشدّة والضعف وتزيد بأمور مكتسبة بالتجربة ومخالطة العقلاء . وسئل أفلاطون « 2 » : ما العقل ؟ قال : سرعة الفهم وقلة الوهم « 3 » . وقال بعض الحكماء « 4 » : ليس العاقل من يحتال الخروج من الأمر الذي وقع فيه ، إنّما العاقل الذي يحتال أن لا يقع فيه . العاقل موفق للرشد في كل أمره فلا تلقاه إلّا ناصحا للولاة ، / 8 أ / موقرا للرؤساء متحرّزا من الأعداء ، غير حاسد للأصحاب ، ولا مخادعا للأخيار ، ولا متحرّشا بالأشرار ، ومن غلب عقله على هواه تجده زاهدا في النّعم ، راغبا في الصدق ، مؤثرا للخلوة ، بعيدا من الحيلة ، تتأمّل فيه الخوف ، وتخال فيه الغفلة . استعن بأهل العقل يكن عملك خيرا كلّه ولا تستعن بأهل الحماقة فيكن عملك شرّا كلّه . روي عن النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) أنه قال : « للعاقل خصال يعرف بها ؛ يعفو عمّن ظلمه ويتواضع لمن دونه ، ويسابق إلى برّ من فوقه ، ويتدبّر ثم يتكلّم فإن تكلم غنم ،
--> ( 1 ) جاءت في داماد إبراهيم 946 وعاطف أفندي : الذة . ( 2 ) من أهل مدينة أثينا ، فيلسوف وطبيب يوناني ، عالم بالهيئة والرياضيات واللغة والشعر ، كتب بالطب والفلسفة والسياسة والقانون ؛ زار مصر ، واشتغل بالتعليم وأصبح له تلامذة كثيرون . أنظر : طبقات الأطباء والحكماء ، ص 23 - 24 . ( 3 ) مختار الحكم ومحاسن الكلم ، ص 126 - 128 . ( 4 ) في بقية النسخ : وقال بعضهم .