حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

45

التمييز

رسول اللّه هذه الآية لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا « 1 » قلت ما معنى ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : أيكم أحسن عقلا ، وأحسنكم عقلا أورعكم عن محارم اللّه وأعملكم بطاعة اللّه » « 2 » وفي الحديث « 3 » « العقل نور يفرق به بين الحق والباطل ، فإذا أراد اللّه بعبد خيرا بصّره مواقع الصواب فتاب وأناب ، وكشف عن قلبه الحجاب ، وأعانه ووفقه إليه ويسّره له وأثابه عليه ، وإذا أراد اللّه به غير ذلك تخلت عنه العناية » ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ « 4 » وجاء في الخبر : « خلق اللّه العقل فقال وعزتي لأكملنّك فيمن أحببت ولأنقصنك ممّن أبغضت ثم قسم بين الموحّدين عقل الهداية على علمه فكل ما استقر في عبد كان دليله على مقاديره الذي كان منه يومئذ فكلّ من أحبّ اللّه اقباله في أمر دلّه على اقباله ، وما كره من ذلك دلّه على الصمت وكذلك في كلّ فعل فعله يومئذ يلهم العقل صاحبه في كلّ أمر أذن له فيه وما خطّر عليه ومحابّه . فكل ما كان حظّه من العقل أوفر فسلطان الدّلالة فيه أعظم وأنفذ ، والعقل نور خلقه اللّه تعالى وقسمه بين عباده على مشيئته فيهم وعلمه بهم يفرّق به بين الخير والشرّ والنّفع والضرّ . وجعله مخيّرا في ذلك / 5 أ / وان كان المبدأ منه ، وبقوة العقل يحصل الاستبصار وتعرف الأسرار وهو ميزان الوجود ومعياره ، ومركز الدّين وعليه مداره ومحل الخطاب والتكليف ، وآلة ذوي الألباب ، في التصريف والتحريف ، من خلا منه نزل عن رتبة الانعام إلى أنزل مقام ، قال اللّه تعالى لم يزل جليلا : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا « 5 » ولا ريب في أن اللّه تعالى جعل حركة كلّ ذي عقل على قدر ضعفه وقوته الباطنة وهمته العالية فما استرخى منه من تلك القوى فعن ضعف تلك القوّة التي تقيم ذلك الشيء منه أو نقصانها ، وإنّما كانوا أضلّ لأن الأنعام ليس في قوتها طلب درج الملائكة فتركها للعجز ، وأمّا الإنسان ففي قوّته ذلك ، والقادر على نيل الكمال ، أحرى بالذمّ بالنسبة إلى الضّلال ، مهما تباعد عن طلب الكمال . والعقل غير العلم لأنّ العقل طريق موصل إلى العلم ، لكنّ العلم أفضل لأنّه

--> ( 1 ) سورة هود : آية ( 7 ) . ( 2 ) الاتقان 4 / 262 . ( 3 ) في بقية النسخ : وفي حديث آخر . ( 4 ) سورة النور : آية ( 40 ) . ( 5 ) سورة الفرقان : آية ( 44 ) .